المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسس المشروع الفني(2/3)


mou7ib
02-01-2007, 02:04 PM
رسالة الفن (8): أسس المشروع الفني

ذ. محمد العربي أبو حزم
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


3- الفاعلية الميدانية:

ووجود التصور السليم الأصيل الواضح الشامل، وبلوغ أعلى مراتب الإتقان، أَمْثَلُ أن يبقيا "زينة فكرية" في غياب العامل الفاعل الحاسم.

العناصر السَّلبية المُسَوِّفَةُ المتماوتة المزاجية الانفعالية أَوْلَى بها مدرجات المتفرجين المتلقِّين حين يرقى غيرهم درجاتِ العطاء على "منبر حسان".

هناك من يتحمس بعد نجاحِ عملٍ جزئيٍّ ما ويتحفز، لكنه لا يلبث أن يخلد إلى أرض الفشل بعد أول عقبة تتحداه، أو بعد أول سحابة تعكر صفاءَ سماءِ نفسه.

الحركة الفنية التي يجب أن نسعى جاهدين مجاهدين لتأسيسها تتطلب نَفَساً طويلا لا يكل ولا يمل. نزرع اليوم بذور التغيير ونلج باب التضرع، ولا نستعجل الثمار قبل أوانها.

العمل تلو العمل، والمبادرة إثر الأخرى، والتقويم بعد التقييم؛ بِنَفَسٍ طويلٍ طويلٍ ويقينٍ عظيمٍ لا يتسرب إليه ريب في أن للبيت ربّاً يحميه وأننا أُجَرَاءُ عند من له الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير.

نحتاج إلى الرموز الفاعلة والمؤثرة التي تجمع بين الفهم الشامل لمنطلقات الحركة وغاياتها ووسائلها في الزمان والمكان والحال، من جهة، وبين التخصص العلمي العملي الميداني من جهة ثانية؛ وإن كان البعض يرى أن المجال الفني أبسطُ من أن يحتاج إلى من يبذل فيه وقته وفكره وهَمَّه! هؤلاء ألقوا بسلاحٍ من أسلحتهم فَتَّاكٍ ودخلوا أرضَ معركةٍ لا ترحم العُزْلَ، ورضوا بأن يكون لسانٌ من ألسنةِ الحقِّ حاسمٌ أخرسَ معطَّلاً.

إن دعوة كدعوتنا لا غنى لها عن رموز فنية تترجم مشروعها العظيم إلى اللغة التي يفهمها كل الناس ويحبها كل الناس ويتأثر بها كل الناس وتلتف حولها بها قلوب كل الناس.

وهناك من يرى، بسبب ما يلاقيه في الميدان من عقبات، أنه، انْتِظَاراً لِلْفَرَجِ، يستسلم للقدرة الإلهية، مع أن قمة الاستسلام للأقدار هي في بذل الوُسع في العمل وفي الدخول من باب التضرع والتوكل على مُقَدِّرِ الأقدار.

روى البخاري ومسلم ومالك عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي الله عَنْه خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلاَنِ فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ.. نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ. أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تُقْدِمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ.

هل نطمع أن نؤسس حركة فنـية في غياب عمل جـماعي تتحمل ركائزُه أمانةَ الرسالة وقوةَ الفكرة وثقلَ الحِمْلِ وحرقةَ الْـهَمّ ووتيـرةَ الحركة؟

إنه لا يتكاسل امرؤ في حمل "حصته" من أثقال الدعوة إلا كانت النتيجة الطبيعية لهذا أن تتحطم أكتافٌ من ثقل ما تكاسل الآخرون في حمله، ولا يُعَطَّلُ مجال من مجالات المدافعة ورَحِمٌ من أرحام الدعوة أو يُهمَل إلاّ أفضى الأمر إلى خلل أو شلل في عمل وظائف الحركة العامة للتغيير وأصابها، لاَ قَدَّرَ الله، عقم يتراجع معه المردود العام للدعوة؛ ولا يُتَهَرَّبُ من تهييء الأجواء والظروف للإجابة عن الأسئلة الملِحَّة في وقت مبكر إجابة ميدانية إلا وجدت الحركة نفسها بَعْدُ فيما يَدَعُ الحليم حيران.

الحركة الفنية المرجوة تحتاج إلى رجال شجعان أحرقوا مراكبهم وخاضوا لجج الميدان وبذلوا لله بفضل الله.
************************
في الحلقة المقبلة ان شاء الله

4- الإبداع والتجديد:

إن كان لنا تصورٌ سليمٌ وواضحٌ وشاملٌ يوجه عملَنا، وكان مِنَّا وإلينا رجالٌ ونساءٌ واعون مؤطَّرون فاعلون متقنون مستعدون للبذل والعمل في الميدان.. إن كان لنا كل هذا ولم يتميز مشروعنا الفني الذي نُفرغ فيه خطابنا ومضمونَ رسالتنا بالإبداع والتجديد، فسنكون كتاباً جَيِّدَ المضمون، رديءَ التصميم والطباعة، لا يثير فضول الناس لتصفُّحه، ولا يفتح شهيتهم لقراءته…