المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ...:::الموسيقى:::... تحت °° ضـــــوء °° الكتــاب و الســنة


شمـ(الدين)ـس
05-02-2006, 03:51 AM
فن الغناء والموسيقي


سؤال يتردد على ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة و أحيان شتى .

سؤال اختلاف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه ، و اختلاف سلوكهم تبعاً لاختلاف أجوبتهم ، فمنهم من يفتح أذنية لكل نوع من أنواع الغناء ، و لكل لون من ألوان الموسيقي مدعياً أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة أباح الله لعباده .

و منهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنية عند سماع أية أغنية قائلاً : إن الغناء مزمار الشيطان ، و لهو الحديث و يصد عن ذكر الله و عن الصلاة? و خاصة? إذا كان المغني امرأة ، فالمرأة – عندهم – صوتها عورة بغير الغناء ، فكيف بالغناء ؟ و يستدلون لذلك بآيات و أحاديث و أقوال .

و من هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقى ، حتى المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار .

ووقف فرين ثالث متردداً بين الفريقين ؛ ينحاز إلى هؤلاء تارة ،? وإلى أولئك طوراً ، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير ، الذي يتعلق بعواطف الناس و حياتهم اليومية ، و خصوصاً بعد أن دخلت الإذاعة – المسموعة والمرئية – على الناس بيوتهم ، بجدها و هزلها ، و جذبت إليها أسماعهم بأغانيها و موسيقاها طوعاً و كرهاً .

و الغناء? بآلة – أي مع الموسيقى – و بغير آلة : مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى ، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخرى .

اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية ، إذ الغناء ليس إلا كلاماً فحسنه حسن ، و قبيحه قبيح و كل قول يشتمل على حرام ، فما بالك إذ اجتمع له الوزن والنغم والتأثير ؟

و اتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات و الإثارة ، و ذلك في مواطن السرور المروعة ، كالعرس ، وقدوم الغائب ، و أيام الأعياد . . .

ونحوها ، بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها .

و قد وردت في ذلك نصوص صريحة – سنذكرها فيما بعد . و اختلفوا فيما عدا ذلك اختلافاً بيناً : فمنهم من أجاز كل غناء بآلة و بغير آلة ، ومنهم من منعه منعاً باتاً بآلة و بغير آلة? ، و عده حراماً ، بل ربما ارتقي به إلى درجة « الكبيرة » .

و لأهمية الموضوع نرى لزاماً علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل ، و نلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة ، حتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام ، متبعاً للدليل الناصع ، لا مقلداً قول قائل ، و بذلك يكون على بينة من أمره ، و بصيرة من دينه .

الأصل في الأشياء الإباحة :

قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى : ( هوَ الَذِي خَلَقَ لَكم مَا فِي الُأَرُضِ جَمِيعَاَ ) ( [35]) ، و لا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى ، أو سنة رسوله ( صلي الله عليه و آله و سلم ) ، أو إجماع ثابت متيقن ، فإذا لم يرد نص ولا إجماع . أو ورد نص صريح غير صحيح ، أو صحيح غير صحيح ، بتحريم شيء من الأشياء ، لم يؤثر ذلك في حله ، و بقي في دائرة العفو الواسعة ، قال تعالى : ( وَقَدُ فَصَلَ لَكم مَا حَرَمَ عَلَيُكمُ إِلَا مَا اضُطرِرُتمُ إِلَيُهِ ) ([36]) . و قال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، و ما حرم فهو حرام ، و ما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً » ، و تلا : ( وَ مَا كَانَ رَبكَ نَسِيَاَ (64) ) ( [37]) .

و قال : « إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، و سكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » ( [38]).

و إذ كانت هذه هي القاعدة ، فما هي النصوص و الأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء ، و ما موقف المجيزين منها ؟

* * *

أدلة المحرمين للغناء و مناقشتها :

( أ ) استدل المحرمون بما روي عن ابن مسعود و ابن عباس و بعض التابعين : أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوِ الحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا أولَيكَ لَهمُ عَذَاب مهِين (6) ) ([39]) ؛ و فسروا لهو الحديث بالغناء .

قال ابن حزم : « ولا حجة في هذا لوجوه :

أحدها : أنه لا حجة لأحد دون رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) .

و الثاني : أنه قر خالف غير هم من الصاحبة و التابعين .

والثالث : أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها ؛ لأن فيها : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوَ الُحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلَ اللَهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا ) ، و هذه صفة من فعلها كان كافراً بلا خلاف ، إذا اتخذ سبيل الله هزواً .

قال : « و لو أن امرءاً اشترى مصحفاً ليضل به عن سبيل الله ، و يتخذه هزواً ، لكان كافراً ! فهذا هو الذي ذم الله تعالى ، و ما ذم قط – عز و جل – من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه ، لا ليضل عن سبيل الله تعالى . فبطل تعلقهم بفول هؤلاء ، و كذلك من اشتغل عامداً عن الصلاة بقراءة القرآن ،أو بقراءة السنن ، أو بحديث يتحدث به ، أو بغناء ، أو بغير ذلك ، فهو فساق عاص لله تعالى ، و من لم يضيع شيئاً من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن » ([40]) .

(ب) و استلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين : ( وَ إِذَا سَمِعواُ اللّغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه ) ( [41]) ، و الغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه .

و يجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو : سفه القول من السب والشتم و نحو ذلك ، و بقية الآية تنطق بذلك . قال تعالى : ( وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه وَقَالواُ لَنا أَعُمَالنَا وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلَم عَلَيُكمُ لَا نَبُتَغِي الُجَاهِلِيُنَ (55) ) ( [42] ) ، فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ( وَ إِذَا خَاطَبَهم الُجَاهِلونَ قَالواُ سَلَمَا (63) ) ( [43] ) .

و لو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه تمدحه ،?و ليس فيها ما يوجب ذلك.

و كلمة «اللغو » ككلمة « الباطل » تعني ما لا فائدة فيه ، و سماع ما لا فائدة فيه ليس محرماً ما لم يضيع حقاً ، أو يشغل عن واجب .

روي عن ابن جريج : أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيمة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات و لا في السيئات ؛ لأنه شبيه باللغو ، قال تعالى : ( لَا يؤَخِذ كم اللَه بِالَلغُو ِفِي أَيُمَانَكمُ ) ( [44] ) .

قال الإمام الغزالي : « إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه و لا تصميم ، و المخالفة فيه – مع أنه لا فائدة فيه – لا يؤاخذ به ، فكيف يؤاخذ بالشعر و الرقص » ؟ ! ( [45] ) .

على أننا نقول : ليس كل غناءٍ لغواً ؛ إنه يأخذ حكمه و فق نية صاحبه ، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة ، و المزح طاعة ، و النية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة . باطنه الرياء : « إن الله لا ينظر إلى صوركم و أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم » ( [46] ) .

و ننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في « المحلى » ردا على الذين يمنعون الغناء قال : « احتجوا فقالوا : من الحق الغناء أم من غير الحق ؟ و لا سبيل إلى قسم ثالث ،? و قد قال الله تعالى : ( فَمَا ذَا بَعُدَ الُحَقِ إلَا الضَلَال ) ( [47] ) ، فجوابنا – و بالله التوفيق - : أن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قال : « إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرىء ما نوى » ( [48]) فمن نوى باستماع الغناء ، و من نوى به ترويح نفسه ، ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل ، و ينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن ، و فعله هذا من الحق ، ومن لم ينو طالعة و لا معصية فهو لغو معفو عنه ، كخروج الإنسان إلى بستانه ، و قعوده على باب داره متفرجاً و صبغه ثوبه لا زورديّاً أو أخضر أو غير ذلك ، و مد ساقه و قبضها ، و سائر أفعاله » ( [49] ) .

( ج ) و استدلوا بحديث : « كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله ، و تأديبه فرسه ، و رميه عن قوسه » ( [50] ) . . و الغناء خارج عن هذه الثلاثة .

و أجاب المجوزون بضعف الحديث ، ولو صح لما كان فيه حجة ، فإن قوله : « فهو باطل » لا يدل على التحريم ، بل يدل على عدم الفائدة . فقد ورد عن أبي الدر داء قوله : « إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق » . على أن الحصر في الثلاثة غير مراد ، فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة و هم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة ، و قد ثبت في الصحيح ، و لا شك أن التفرج في البساتين و سماع أصوات الطيور ، و أنواع المداعبات مما يلهو به الرحل ، لا يحرم عليه شيء منها ،و إن جاز و صفه بأنه باطل .

( د ) و استدلوا بالحديث الذي رواه البخاري – معلقاً – عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري – شك من الراوي – عن النبي علنه الصلاة و السلام قال : « ليكو نن قوم من أمتي يستحلون الحر ( [51]) والحرير والخمر والمعازف». والمعازف: الملاهي ، أو آلات العزف .

و الحديث و إن كان في صحيح البخاري : إلا أنه من « المعلقات » لا من « المسندات المتصلة »? و لذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده ، و مع التعليق فقد قالوا : إن سنده و متنه لم يسلما من الاضطراب .

و قد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث ، ووصله بالفعل من تسع طرق ، و لكنها جميعاً تدور على راوٍ تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد ، ألا و هو : هشام ابن عمار ( [52] ) . و هو – و إن كان خطيب دمشق و مقرئها و محدثها وعالمها ، ووثقه ابن معين و العجلي – فقد قال عنه أبو داود : حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها .

و قال أبو حاتم : صدوق و قد تغير ، فكان كل ما دفع إليه قرأه ،? و كل ما لقنه تلقّن . و كذلك قال ابن سيار .

و قال الإمام أحمد : طياش خفيف .

و قال النسائي : لا بأس به ( و هذا ليس بتوثيق مطلق ) .

و رغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال : صدوق مكثر له ما ينكر ( [53] ) .

وأنكروا عليه أنه لم يكن يحدّث إلّا بأجر !
و مثل هذا لا يقبل حديثه في مواطن النزاع ، و خصوصاً في أمر عمت به البلوى .

و رغم ما في ثبوته من الكلام ،?فقي دلالة كلام آخر؛ فكلمة «المعازف » لم يتفق على معناها بالتحديد : ما هو ؟ فقد قيل : الملاهي ،وهذه مجملة ، وقيل : آلات العزف .

ولو سلّمنا بأن معناها : آلات الطرب المعروفة? بآلات الموسيقى . فلفظ الحديث المعلّق في البخاري غير صحيح في إفادة حرمة « المعازف » لأن عبارة « يستحلون » - كما ذكر ابن العربي – لها معنيان : أحدهما : يعتقدون أن ذلك حلال ، والثاني : أن تكون مجازاً عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور ؛ إذ لو كان المقصود بالاستحلال : المعني الحقيقي ، لكان كفراً ، فإن استحلال الحرام المقطوع به – مثل الخمر والزنى المعبر عنه ب « الحر » كفر بالإجمال .

و لو سلمنا بدلالتها على الحرمة ، فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحر و الحرير و الخمر و المعازف ، أو كل فرد منها على حدة ؟ و الأول هو الراجح . فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس : انغمسوا في الترف و الليالي الحمراء ، و شرب الخمور . فهم بين خمر نساء ، و لهو و غناء ، و خزّ و حرير . و لذا روي ابن ماجه هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بالفظ : « ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، يعزف على رؤوسهم بالمعازف و المعنيات ، يخسف الله بهم الأرض و يجعل منهم القردة و الخنازير » ،? و كذلك رواه ابن حبان في صحيحه ، و البخاري في تاريخه .

و كل من روي الحديث من طريق غير هشام ابن عمار ، جعل الوعيد على شرب الخمر ، و ما المعازف إلا مكملة و تابعة .

( ه ) و استدلوا بحديث عائشة : « إن الله تعالى حرم القينة ( أي الجارية 9 و بيعها و ثمنها ?و تعليمها » .

و الجواب عن ذلك :

أولاً : أن الحديث ضعيف ، و كل ما جاء في تحريم بيع القيان ضعيف ( [54] ) .

ثانياً : قال الغزالي : « المراد بالقينة الجارية التي تغني للدجال في مجلس الشرب ، و غناء? الأجنبية للفسّاق و من يخاف عليهم الفتنة حرام ،? و هم لا يقصدون بالفتنة إلا ما محذور . فأما غناء الجارية لمالكها ، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث . بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة ، بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها ( [55] ) . . و سيأتي .

ثالثاً : كان هؤلاء? القيان المغنيات يكون عنصراً هاماً من نظام الرقيق ، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجياً ، فلم يكن يتفق و هذه الحكومة : إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي ، فإذا جاء حديث بالنعي على امتلاك « القينة » ، و بيعها ،? و المنع منه ، فذلك لهدم ركن من بناء « نظام الرق » العتيد .

( و ) و استدلوا بما روي نافع : أن ابن عمر سمع صوت زمارة? راع أصبعيه في أذنية ،?و عدل راحلته عن الطريق ، و هو يقول : يا نافع ، أستمع ؟ فأقول : نعم ، فيمضي ، حتى قلت : لا . فرفع يده و عدل راحلته إلى الطريق ،? و قال : « رأيت رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا » .

و الحديث قال عنه أبو داود : حديث منكر .

و لو صح لكان حجة على المحرمين لا لهم ، فلو كان سماع المزمار حراماً ما أباح النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لا بن عمر سماعه ، و لو كان عند ابن عمر حراماً ما أباح لنافع سماعه ، و لأمر عليه السلام بمنع و تغيير هذا المنكر ، فإقرار النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لا بن الحلال .

و إنما تجنب – عليه السلام – سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا ، كتجنبه الأكل متكئاً ،? و أن يبيت عنده دينار أو درهم . . . إلخ .

( ز ) واستدلوا أيضاً بما روي : « إن الغناء ينبت النفاق في القلب » ولم يثبت هذا حديثاً عن نبي ( صلي الله عليه وآل و سلم ) و إنما ثبت قولاً لبعض الصحابة أو التابعين ، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره . فمن الناس من قال – وبخاصة الصوفية - : إن الغناء يرقق القلب ، ويبعث الحزن والندم علي المعصية ،? و يهيج الشوق إلى الله تعالى ، و لهذا اتخذوه وسيلة? لتجديد نفوسهم ، و تنشيط عزائمهم ، و إثارة أشوقهم . قالوا : و هذا أمر لا يعرف إلا بالذوق و التجربة و الممارسة ، و من ذاق عرف ، و ليس الخبر كالعيان !

على أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع ، إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه على غيره ، و يروج صوته عليه ، و لا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه . و مع هذا قال الغزالي : « و ذلك لا يوجب تحريماً ، فإن لبس الثياب الجميلة ، و ركوب الخيل المهملجة ، و سائر أنواع الزينة ، و لا يطلق القول بتحريم ذلك كله ، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب : المعاصي ، بل إن المباحات ، التي هي مواقع نظر الخلق ، أكثر تأثيراً » ( [56] )? .

( ح ) و استدلوا على تحريم غناء المرأة خاصة? ،? بما شاع عند بعض الناس من أن صوت المرأة عورة ،? و قد كان النساء يسألن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) في ملاٍ من أصحابه ، و كان الصحابة يذهبون إلى أمهات المؤمنين و يستفتونهن و يفتينهم ويحدثنهم ،?و لم يقل أحد : إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة? يجب أن تستر . مع أن نساء النبي عليهن من التغليظ ما ليس على غير هن .

وقال تعالى : ( وًقلُنَ قَوُلَاَ? مَّعُروفَاَ (?32 )? ) ([57] ) .

فإن قالوا : هذا في الحديث العادي لا في الغناء ?، قلنا : روي في الصحيحين أن النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) سمع غناء الجاريتين و لم ينكر عليهما ، و قال لأبي بكر : « دعهما » ، و قد سمع ابن جعفر و غيره من الصحابة و التابعين الجواري يغنين .

( ط ) و استدلوا بحديث الترمذي عن علًّى مرفوعاً : « إذا فعلت أمتي خمس عشرة? خصلة ، حلّ تها البلاء . . . » ، وذكر منها : « واتخذت القينات و المعازف » ، و الحديث متفق على ضعفه ،?فلا حجة فيه .

و الخلاصة . . أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح ، أو صريح غير صحيح . و لم يسلم حديث واحد مرفوع إلى رسول الله ( صلي الله عليه وآل وسلم ) يصلح دليلاً للتحريم ، و كل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية و المالكية و الحنابلة و الشافعية .

قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب « الأحكام » : لم يصح في التحريم شيء .

و كذا قال الغزالي و ابن النحوي في العمدة .

و قال ابن طاهر في كتابه في « السماع » : لم يصح منها حرف واحد .

و قال ابن حزم : « و لا يصح في هذا الباب شيء ، و كل ما فيه فموضوع . و والله لو أسند جمعية ، أو واحد منه فأكثر ، من طريق الثقات إلى رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ،? لما ترددنا في الأخذ به » ( [58] ) .

* * *

شمـ(الدين)ـس
05-02-2006, 03:54 AM
أدلة المجيزين للغناء :

تلك هي أدلة المحرمين ، قد سقطت واحداً بعد الآخر ،? و لم يقف دليل منها على قدميه . و إذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك ، و لو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على ذلك غير سوط أدلة التحريم . فكيف و معنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة ، وروحه السمحة ، و قواعده العامة ، و مبادئه الكلية ؟

و هاك بيانها :

أولاً ـ من حيث النصوص:
استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة ، منها : حديث غناء الجاريتين في ليت النبي ( صلي الله عله و آل و سلم ) عند عائشة ، وانتهار أبي بكر لهما ،? و قوله : مزمور الشيطاني في ليت النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) ، و هذا يدل على أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم ، فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلى هذا الحد .

و المعول عليه هنا هو رد النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) على أبي بكر ربضي الله عنه و تعليله : أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة ، و إنه بعث بحنيفية سمحة . و هو يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدى الآخرين ، و إظهار جانب اليسر و السماحة فيه .

و قد روي البخاري و أحمر عن عائشة ذات قرابة لها من الأنصار ، فجاء رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقال : « أهديتم الفتاة » ؟ قالوا : نعم . قال : « أرسلتم معها من يغني » ؟ قالت : لا . فقال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) « إن الأنصار قوم فيهم غزل ، فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم . . فحيانا و حياكم » ؟ 1

و هذا الحديث يدل على رعاية أعراف الأقوام المختلفة? ، و اتجاههم المزجي ، ولا يحكم المرء مزاجه هو في حياة? كل الناس .

و روي النسائي و الحاكم و صححه عن عامر بن سعد قال : دخلت على قرظة بن كعب و أبي مسعود الأنصاري في عرس ،? و إذا جوار يغنين . فقلت : أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟ ! فقالا :اجلس إن شئت فاستمع معنا ، وإن شئت فاذهب ، فإنه قد رخص لنا اللّهو عند العرس .

و روي ابن حزم بسنده عن ابن سيرين : أن رجلاً قدم المدينة بجوارٍ فأتى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه ،?فأمر جارية منهن فغنّت ، و ابن عمر يسمع ، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال : ني أبا عبد الرحمن ؛ غبنت بسبعمائة درهم ! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بي جعفر فقال له : إنه غبن بسبعمائة درهم ،?فإما أن تعطيها إياه ،? و إما أن ترد عليه بيعه ، فقال : بل نعطيه إياها . قال ابن حزم : « فهذا ابن عمر قد سمع الغناء و سعي في بيع المغنية ، و هذا إسناد صحيح ، لا تلك الملفقات الموضوعية » ( [59] ) .

و استدلوا بقوله تعالى : ( وَ إِذَا رَأَوُاُ تَجِارَةً أَوُ لَهُوًا انفَضّواُ إِلَيُهَا وَتَرَكوكَ قَآئمَاَ قلُ مَا عِنُدَ الّلَه خَيُر مِّنَ اللَهُوِ وَمِنُ التِجَارَة وَ الّلَه خَير الرَازِقِين ( 11 ) ) ( [60] ) .

فقرن اللهو بالتجارة – و هي حلال بيقين - ،? و لم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما – بمناسبة قدوم القافلة? و ضرب الدفوف فرحاً بها – عن خطبة النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و تركه قاماً .

و استدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم : أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه . وهم القوم يقتدي بهم فيهتدي .

و استدلوا بما نقله غير واحد من الإجماع على إباحة السماع ، كما سنذكره بعد .


* * *

و ثانياً ـ من حيث روح الإسلام و قواعده :

( أ ) لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس ، و تستطيبها العقول ، و تستحسنها الفطر ،? و تشتهيها الأسماع ،? فهو لذة المعدة . و المنظر الجميل لذة? العين ، و الرائحة? الذكية لذة الشم . . . إلخ ،? فهل الطيبات – أي المستلذات – حرام في الإسلام حلال ؟

من المعروف أن الله تعالى كان قد حرم على بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا ، كما قال تعالى : ( فَبِظلُمِ مِنَ الَذِينَ هَادواُ حَرَّمُنَا عَلَيُهِمُ طَيِبَاتٍ أحِلَّتُ? لَهمُ وَ بِصَدِهِمُ عَن سَبِيل اللَه كَثِيرَاَ ( 160 ) وَ أَخُذِهِم الّرِبَواُ وَ قَدُ نهواُ عَنُه وَأَكُلِهِمُ أَمُوَالَ النَاسِ بِالُبَاطِلِ ) ( [61] ) ، فلما بعث الله محمداً ( صلي الله عليه و آل و سلم ) جعل عنوان رسالة? في كتب الأولين أنه : ( يَأُمرهم بِالُمَعُروفِ وَيَنُهَهمُ عَنِ الُمنكَرَ وَ يحِلّ لَهم الُطَيِبَاتِ وَ يحَرِم عَلَيُهِم الُخَبَثَ وَيَضَع عَنُهمُ إِصُرَهمُ وَالُأَغُلَالَ الَتِي كَانَتُ عَلَيُهِمُ ) ( [62] ) .

فلم يبق في الإسلام شيء طيب – أي تستطيبه الأنفس و العقول السليمة – إلا أحله الله ، رحمة? بهذه الأمة لعموم رسالتها و خلودها . قال تعالى : ( يَسُئَلونَكَ مَاذَآ أحِلَّ لَهمُ قلُ أحِلَ لَكم الطَيِبَات ) ( [63] ) .

و لم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئاً من الطيبات مما رزق الله ، مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء? وجه الله فيه ، فإن التحليل و التحريم من حق الله وحده . و ليس من شأن عباده ، قال تعالى : ( قلُ أَرَءَ يُتمُ مَّآ أَنزَلَ اللَه لَكم مِن رِزُقِ فَجَعَلُتمُ مِنُه حَرَمَا وَحَلَالَاَ قلُ ءَآلّلَه أَذُنَ لَكمُ أَمُ عَلَى الّلَه تَفُترونَ (59 ) ) ( [64] ) ، و جعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات ، كلا هما يجلب سخط الله و عذابه ، ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين ،?و الضلال البعيد ، قال جل شأنه ينعي على من فعل ذلك من أهل الجاهلية? : ( قَدُ خَسِرَ الَذِيُنَ قَتِلواُ أَولَادَهمُ سَفَهَا بِغَيُرِ عِلُمِ وَ حَرَمواُ مَا رَزَقُهمُ الّلَه افُتِرَآءً عَلَى الله قَدُ ضَلّواُ وَمَا كَانواُ مهُتَدِيُنَ ( 140 ) ) ( [65] ) .

( ب ) و لو تأملنا لوجدنا حب الغناء و الطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية و فطرة بشرية ، حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه ، و تنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه . و لذا تعودت الأمهات و المرضعات و المربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم . بل نقول : إن الطيور و البهائم تتأثر بحسن الصوت و النغمات الموزونة حتى قال الغزالي في « الإحياء » : «? من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال ، بعيد عن الروحانية / زائد في غلظ الطبع و كثافته على الجمال و الطيور و جميع البهائم ، إذ الجمل – مع بلادة طبعه – يتأثر بالحداء تأثر يستخف معه الأحمال الثقيلة و يستقصر – لقوة نشاطه في سماعه – المسافات الطويلة ، و ينبعث فيه من النشاط ما يسكره و يولهه . فترى الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها ، و تصغي إليه ناصبة آذانها ،? و تسرع في سيرها ،? حتى تتزعزع عليها أحمالها و محاملها » .

و إذ كان حب الغناء غريزة و فطرة فهل جاء? الدين لمحاربة? الغرائز و الفطر و التنكيل بها ؟ كلا ، إنما جاء لتهذيبها و السمو بها ، و توجيهها التوجيه القويم . قال الإمام ابن تيمية رحمه الله : إن الأنبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة و تقريرها لا بتبديلها و تغييرها .

و مصداق ذلك أن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قدم المدينة و لهم يومان يلعبون فيهما ، فقال : « ما هذان اليمان » ؟ قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهلية . فقال عليه السلام : « إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما : يوم الأضحى و يوم الفطر » ( [66] ) .

و قالت عائشة : «? لقد رأيت النبي يسترني بردائه ،?و أنا أنظر إلى الحبشة? يلعبون في المسجد ، حتى أكون أنا التي أسأمه – أي اللعب – فاقدروا قدر الجارية? الحديثة? السن الحريصة? على اللهو » .

و إذ كان الغناء لهواً و لعباً فليس اللهو و العب حراماً ، فالإنسان لا صبر له على الجد المطلق و الصرامة الدائمة .

قال النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لحنظلة – حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده ،?و تغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) :? « يا حنظلة ؛? ساعة و ساعة » ( [67]? ) .

و قال علي بن أبي طالب : روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ،?فإن القلوب إذا أكرهت عميت .

و قال كرم الله وجهه : إن القلوب تمل كما تمل الأبدان ، فابتغوا لها طرائف الحكمة .

و قال أبو الدرداء : إني لأستجم نفسي بالشي ء? من اللهو ليكون أقوى لها على الحق .

و قد أجاب الإمام الغزالي عمن قال :?إن الغناء لهو ولعب بهوه :?هو كذلك ، و لكن الدنيا كلها لهو و لعب . . و جميع المداعبة? مع النساء? لهو ، إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد ،?كذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال ،? نقل ذلك عن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و عن الصحابة? .

و أي لهو يزيد على لهو الحبشة و الزنوج في بعبهم ،? فقد ثبت بالنص إباحته . على أني أقول : اللهو مروح القلب ، و مخفف عنه أعباء الفكر ، و القلوب إذا أكرهت عميت ،? و ترويحها إعانة لها على الجد ، فالمواظب على التفقه مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة? ؛? لأن عطلة يوم تساعد على النشاط في سائر الأيام ، و المواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات ،?فالعطلة معونة? على العمل ، و اللهو معين على الجد ،?ولا يصبر على الجد المحض ،? و الحق المر ،?إلا نفوس الأنبياء? عليهم السلام .

فاللهو دواء القلب من داء الإعياء و الملال ?،فينبغي أن يكون مباحاً ،? و لكن لا ينبغي أن يستكثر منه ،?كما لا يستكثر من الدواء? ، فإذن اللهو على هذه النية يصير قربة?،?هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها ،?بل ليس له إلا اللذة و الاستراحة المحضة ، فينبغي أن يستحب له ذلك ،?ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه . نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق ، و لكن حسنات الأبرار سيئات المقربين ،?و من أحاط بعلم علاج القلوب ، ووجوه التلطف بها ،? و سياقتها إلى الحق ،?علم قطعاً أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه » ( [68] ) . . انتهي كلام الغزالي ،? و هو كلام نفيس يعبر عن روح الإسلام الحق .


القائلون بإجازة الغناء? :?

تلك هي الأدلة المبيحة للغناء? من نصوص الإسلام و قواعده ?،? فيها الكفاية? كل الكفاية و لو لم يقل بموجبها قائل ،? و لم يذهب إلى ذلك فقيه ،? فكيف و قد قال بموجبها الكثيرون من صحابة? و تابعين و أتباع و فقهاء? ؟?

و حسبنا أن أهل المدينة? - على ورعهم – و الظاهرية – على حرفيتهم و تمسكهم بظواهر النصوص – و الصوفية – على تشددهم و أخذهم بالعزائم دون الرخص – روي عنهم إباحة الغناء .

قال الإمام الشوكاني في « نيل الأوطار » : « ذهب أهل المدينة و من وافقهم من علماء? الظاهر ،? و جماعة الصوفية? ، إلى الترخيص في الغناء? ، و لو مع العود و البراع .

و حكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع : أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأساً ، ويصوغ الألحان لجواريه ، ويسمعها منهن على أوتاره . و كان ذلك في زمن أمير المؤمنين على رضي الله عنه .

و حكى الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضاً عن القاضي شريح ،?وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ، و الزهري ، و الشعبي . و قال إمام الحرمين في النهاية ،? و ابن أبي الدنيا : نقل الأثبات من المؤرخين : أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوادات ،? و أن ابن عمر دخل عليه و إلى جنبه عود ، فقال : ما هذا يا صاحب رسول الله ؟ ! فناوله إياه ،? فتأمله ابن عمر فقال : هذا ميزان شامي ؟ قال لبن الزبير : يوزن به العقول !

و روي الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالة في السماع بسنده إلى ابن سيرين قال : « إن رجلاً قدم المدينة بجوار فنزل على ابن عمر ،? و فيهن جارية تضرب . فجاء رجل فساومه ، فلم يهو فيهن شيئاً ،? قال : انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعاً من هذا . قال : من هو ؟? قال : عبد الله بن جعفر . . فعرضهن عليه ، فأمر جارية منهن ،? فقال لها : خذي العود ،?فأخذته ،? فغنت ، فبايعه ثم جاء إلى ابن عمر . . . إلى آخر القصة .

و روي صاحب «العقد» العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي : أن عبد الله بن عمر دخل على ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود ?، ثم قال لا بن عمر : هل ترى بذلك بأساً ؟ قال : لا بأس بهذا .

و حكى الماوردي عن معاوية و عمرو بن العاص : أنهما سمعا العود عند ابن جعفر .

و روي أبو الفرج الأصبهاني : أن حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره .

و ذكر أبو العباس المبرد نحو ذلك . و المزهر عند أهل اللغة ) العود .

و ذكر الأدفوي : أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة? . و نقل ابن السمعاني الترخيص عن طاوس ، و نقله ابن قتيبة و صاحب « الإمتاع »? عن قاضي المدينة سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن الزهري من التابعين . و نقله أبو يعلى الخليلي في « الإرشاد » عن عبد العزيز بن سلمة الماجشون مفتي المدينة .

و حكى الروياني عن القفال :? أن مذهب مالك بن أنس أباحة الغناء بالمعازف ، و حكى الأستاذ أبو منصور الفوراني عن مالك جواز العود ،? و ذكر أبو طالب المكي في « قوت القلوب » عن شعبة? : أنه سمع طنبوراً في بيت المنهال بن عمرو المحدث المشهور .

و حكى أبو الفضل بن طاهر في مؤلفة في « السماع » : أنه لا خلاف بين أهل المدينة? في إباحة العود .

قال ابن النحوي في « العمدة » : و قال ابن طاهر : هو إجماع أهل المدينة? . قال ابن طاهر : و إليه ذهبت الظاهرية قاطبة? . قال الأدفوي : لم يختلف النقلة في نسبتة الضرب إلي إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر ، وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم ( يعني بالجماعة : أصحاب الكتب الستة ، من الصحيحين و السنن ) .

و حكي الماوردي إباحة العود عن بعض الشافعية ، وحكاه أبو الفضل بن طاهر عن ابن اسحاق الشيرازي ، وحكاه الأسنوي في «المهمات » عن الروياني و الماوردي ، ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور ، وحكاه ابن الملقن في «العمدة » عن ابن طاهر ، وحكاه الأدفوي عن الشيخ عز الذين بن عبد السلام ، وحكاه صاحب «الإمتاع » عن أبي بكر بن العربي ، و جزم بالإباحة الأدفوي .

هؤلاء? جميعاً قالوا بتحليل السماع ،? مع آلة من الآلات المعروفة? - أي آلات الموسيقي .

و أما مجرد الغناء? من غير آلة ، فقال الأدفوي في « الإمتاع »?: إن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية نقل الاتفاق على حله ، و نقل ابن طاهر إجماع الصحابة و التابعين عليه ، و نقل التاج الفزاري و ابن قتيبة إجماع أهل المدينة عليه ، و قال المارودي : م يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة? المأمور فيها بالعبادة و الذكر .

قال ابن النحوي في «? العمدة » :? و قد روي الغناء و سماعه عن جماعة? من الصحابة و التابعين ، فمن الصاحبة عمر – كما رواه ابن عبد البر و غيره ، و عثمان – كما نقله الماوردي و صاحب البيان و الرافعي ،? و عبد الرحمن بن عوف – كما رواه ابن أبي شيبة? ، و أبو عبيدة بن الجراح – كما أخرجه ابن قتيبة ، و أبو مسعود الأنصاري – كما أخرجه البيهقي ،?و بلال ، و عبد الله بن الأرقم ، و أسامة بن زيد – كما أخرجه البيهقي أيضاً ،?و حمزة? - كما في الصحيح ، و ابن عمر – كما أخرجه ابن طاهر ، و البراء بن مالك – كما أخرجه أبو نعيم ، و عبد الله بن جعفر – كما رواه ابن عبد البر ، و عبد الله بن الزبير – كما نقل أبو طالب المكي ،?و حسان – كما رواه أبو الفرج الأصبهاني ، و عبد الله بن عمرو – كما رواه الزبير بن بكار . و قرظة بن كعب – كما رواه ابن قتيبة ،? و خوات بن جبير ، و رباح بن المعترف – كما أخرجه صاحب الأغاني و المغيرة بن شعبة? - كما حكاه الماوردي ،?عائشة و الربيع – كما في صحيح البخاري و غيره .

و أما التابعون فسعير بن المسيب ،? و سالم بن عبد الله بن عمر ، و ابن حسان ،?و خارجة بن زيد ، و شريح القاضي ، و سعيد بن جبير ، و عامر الشعبي ، و عبد الله ابن أبي عتيق ، و عطاء بن أبي رباح ، و محمد بن شهاب الزهري ، و عمر بن عبد العزيز ، و سعد بن إبراهيم الزهري .

و أما تابعوهم ، فخلق لا يحصون ،? منهم : الأئمة الأربعة ، و ابن عيينة ،? و جمهور الشافعية » . انتهي كلام ابن النحوي . هذا كله ذكره الشوكاني في « نيل الأوطار » ( [69] ) .



قيود و شروط لابد من مراعاتها :

و لا ننسى أن نضيف إلى هذا الحكم : قيوداً لا بد من مراعاتها في سماع الغناء :

1- نؤكد : ما أشرنا إليه أنه ليس كل غناء مباحاً ،? فلا بد أن يكون موضوعة متفقاً مع أدب الإسلام و تعاليمه .

فلا يجوز التغني بقول أبي نواس :دع عنك لومي ، فإن اللوم إغراء .. و داوني بالتي كانت هي الداء !


ولا بقول شوقي :? رمضان ولي هاتها يا ساقي .. مشتاقة تسعى إلى مشتاق



و أخطرها منها : قول إيليا أبي ماضي في قصيدته « الطلاسم » : جئت لا أعلم من أين ، و لكنى أتيت !

و لقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت !

كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري !

لأنها تشكيك في أصول الأيمان : المبدأ ،? و المعاد ،?و النبوة . و مثلها : ما عبر عنه بالعامية? في أغنية « من غير ليه » و ليست أكثر من ترجمة من شك أبي ماضي إلى العامية ، ليصبح تأثيرا أوسع دائرة .

و مثل ذلك الأغنية التي تقول : « الدنيا سيجارة و كاس » . فكل هذه مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يجعل الخمر رجساً من عمل الشيطان ، ويلعن شارب « الكأس » و عاصرها و بائعها وحملها و كل من أعان فيها بعمل . و التدخين أيضاً آفة ليس وراءها إلا ضرر الجسم و النفس و المال .

و الأغاني التي تمدح الظلمة و الطغاة و الفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم أمتنا ، مخالفة لتعاليم الإسلام ،? الذي يلعن الظالمين ، و كل من يعينهم ، بل من يسكت عليهم ،? فكيف بمن يمجدهم ؟!

و الأغنية التي تمجد صاحب العيون الجريئة – أو صاحبة العيون الجريئة – أغنية تخالف أدب الإسلام الذي ينادي كتابه : ( قل لِلُمؤمِنينَ يَقُضواُ مِنُ أَبُصَارِهِمُ . . . . ) ([70] ) ، ( وَقل لِلُمؤُمِنَاتِ يَغُضضُنَ مِنُ أَبُصَارِهِنَ ) ( [71] ) ، و يقول ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « يا علي ؛ لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة » .

2 – ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها ، فقد يكون الموضوع لا بأس به و لا غبار عليه ، و لكن طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول ، و تعمر الإثارة ، و القصد إلى إيقاظ الغرائز الهاجعة ، و إغراء? القلوب المرضية – ينقل الأغنية من دائرة الإباحة إلى دائرة الحرمة أو الشبهة أو الكراهة من مثل ما يذاع على الناس و يطلبه المستمعون و المستمعات من الأغاني التي تلح على جانب واحد ، هو جانب الغريزة الجنسية و ما يتصل بها من الحب والغرام ، و إشعالها بكل أساليب الإثارة و التهيج ، و خصوصاً لدى الشباب و الشابات .

إن القرآن يخاطب نساء النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فيقول : ( فَلَا تَخُضَعُنَ بِالُقَوُلِ فَيَطُمَعَ الَذِي فِي قَلُبِهِ مَرَض ) ( [72] ) . فكيف إذا كان مع الخصوص في القول الوزن و النغم و التطريب و التأثير .

3- و من ناحية ثالثة يجب ألا يقترن الغناء بشيء محرم ، كشرب الخمر أو التبرج أو الاختلاط الماجن بين الرجال و النساء ، بلا قيود ولا حدود، و هذا هو المألوف في مجالس الغناء?و الطرب من قديم . و هي الصورة الماثلة في الأذهان عندما يذكر الغناء ، و بخاصة غناء الجواري و النساء .

و هذا ما يدل عليه الحديث الذي رواه ابن ماجه و غيره : « ليشربن ناس من أمتي الخمر ، يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف و المغنيات ، يخسف الله بهم الأرض و يجعل منهم القردة و الخنازير » .

و أود أن أنبه هنا على قضية مهمة ،? و هي : أن الاستماع إلى الغناء? في الأزمنة الماضية كان يقتضي حضور مجلس الغناء ، و مخالطة المغنيين و المغنيات و حواشيهم ، و قلما كانت تسلم هذه المجالس من أشياء ينكرها الشرع ، ويكرها الدين .

أما اليوم فيستطيع المرء أن يستمع إلى الأغاني و هو بعيد عن أهلها و مجالسها ،? و هذا لا ريب عنصر مخفف في القضية ،? ويميل بها إلى جانب الإذن و التيسير .

4- الغناء – ككل المباحات – يجب أن يقيد بعدم الإسراف فيه ، و بخاصة الغناء العاطفة ليست حباً فقط ، و الحب لا يختص بالمراء وحرها ، و المرأة ليست جسداً و شهوة لا غير ، لهذا يجب أن نقلل من هذا السيل الغامر من الأغاني العاطفية الغرامية ، و أن يكون لدينا من أغانينا و برامجنا و حياتنا كلها توزيع عادل ، و موازنة مقسطة بين الدين و الدنيا ، و في الدنيا بين حق الفرد و حقوق المجتمع ، و في الفرد بين عقله و عاطفته ،? و في مجال العاطفة بين العواطف الإنسانية كلها من حب و كره و غيره و حماسة و أبوة و أمومة و بنوة و أخوة و صداقة . . . الخ ، فلكل عاطفة حقها .

أما الغلو و الإسراف و المبالغة? في إبراز عاطفة خاصة ، فذلك على حساب العواطف الأخرى ، و على حساب عقل الفرد و روحه و إرادته ، و على حساب المجتمع و خصائصه و مقوماته ،? و على حساب الدين و مثله و توجيهاته .

إن الدين حرم الغلو و الإسراف في كل شيء حتى في العبادة ، فما بالك بالإسراف في اللهو ،? و شغل الوقت به و لو كان مباحاً ؟!

إن هذا دليل على فراغ العقل و القلب من الواجبات الكبيرة ، و الأهداف العظيمة و دليل على إهدار حقوق كثيرة كان يجب أن تأخذ حظها من وقت الإنسان المحدود و عمره القصير ، و ما أصدق و أعمق ما قال ابن المقفع : « ما رأيت إسرافاً إلا و بجانبه حق مضيع » ، و في الحديث :? « لا يكون العاقل ظاعناً إلا لثلاث : مرمة لمعاش ،? أو تزود لمعاد ،?أو لذة في غير محرم » ،? فلنقسم أوقاتنا بين هذه الثلاثة بالقسط ، و لنعلم أن الله سائل كل إنسان عن عمره :?فيم أفناه ،? و عن شبابه : فيم أبلاه ؟

5- و بعد هذا الإيضاح تبقى هناك أشياء يكن كل مستمع فيها فقيه نقسه و مفتيها ،? فإذا كان الغناء أو نوع خاص منه يستثير غريزة ،? و يغريه بالفتنة ،? و يسبح به في شطحات الخيال ،? و يطغى فيه الجانب الحيواني على? الجانب الروحاني ،? فعليه أن يتجنبه حينئذ ?، و يسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه و دينه و خلقه ، فيستريح و يريح .

* * *

شمـ(الدين)ـس
05-02-2006, 03:56 AM
الغناء و الطرب في واقع المسلمين :

و من نظر في أحوال المسلمين ، و تأمل في واقعهم المعيش ، لم يجد خصومة بين المسلم المتدين و بين الاستمتاع بطيب السماع .

إن أذن المسلم العادي موصولة ب « طيبات السماع » تلتذ بها ،? و تتغذى عليها كل يوم .

من خلال القرآن الكريم الذي تسمعه مرتلاً و مجوداً و مزيناً بأحسن الأصوات ، من أحسن القراء .

و من خلال الأذان ، الذي تطرب لسماعه كل يوم خمس مرات بالصوت الجميل . و هو ميراث من عهد النبوة ، فقد قال النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) للصحابي الذي كشف له عن ألفاظ الأذن في رؤيا صادقة : « علمه بلا لاً ، فإنه أندى منك صوتاً » .

و من خلال الابتهالات الدينة ،? التي تنشد بأعذب الألحان ، و أرق الأصوات ، فتطرب لها الأفئدة ، و تهتز لها المشاعر :

و من خلال المدائح النبوية التي توارثها المسلمون منذ سمعوا ذلك النشيد الحلو من بنات الأنصار ، ترحبياً بمقدم الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام :

طبع البدر علينا .. من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا .. ما دعا الله داع


و أذكر أني منذ نحو عشرين سنة سمعت هذا النشيد من تلميذات مدرسة إسلامية في إندونيسيا ،?يغنينه بلحن جماعي مؤثر رقيق ، و كنا و فداً من دولة قطر . فرقت له قلوبنا ، و سالت أدمعنا على خدودنا من فرط الرقة و التأثر .

و في الأعصر الماضية المسلمون أن ينشئوا ألواناً من « طيبات السماع ?» يروحون بها أنفسهم ،? و يجملون بها حياتهم ،? و خصوصاً في القرى و الريف . و قد أدركنا ذلك في عهد الصبا و مطالع الشباب . و كلها ألوان فطرية نابعة من البيئة ، معبرة عن قيمها ، و لا غبار عليها .

من ذلك : فن المواويل : يتغنّى بها الناس في أنفسهم ، أو يجتمعون على سماعها ، ممن كان حسن الصوت منهم ، و أكثرهم يتحدث عن الحب و الهيام و الوصل و الهجران ، و بعضها يتحدث عن الدنيا و متاعها ، و يشكو من ظلم الناس و الأيام . . . الخ .

و أكثرهم كان يتغنى بها بغير آلة ، و بعضهم مع « الأرغول » ، و من هؤلاء الفنانين الفطريين : من كان يؤلف «? الموال » و يلحنه و يغنيه في وقت واحد .

و منها : القصص المنظومة ، التي تتغنى ببطولات بعض الأبطال الشعبيين ، أبطال الكفاح ،? أو أبطال الصبر ، يسمعها الناس ،? فيطربون بها ، ويرددونها ،?و يكادون يحفظونها عن ظهر قلب ، مثل قصة « أدهم الشرقاوي » ، و شفيقة و متولي » ، و « أيوب المصري » ، و « سعد اليتيم » ، و غيرها .

و منها : الملاحم الشعبية للأبطال المعروفين ، مثل « أبي زيد الهلالي » ، و التي كان يجتمع لها الناس ، ليسمعوا القصة ، و يستمعوا معها إلى أشعار أبطالها على نغمات « الربابة » من « الشاعر الشعبي » الذي تخصص في هذا اللون ، و كانت هذه الملاحم لها عشاقها و تقوم مقام « المسلسلات » في هذا العصر .

و منها : أغاني الأعياد و الأفراح و المناسبات السارة ، مثل : العرس ، وولادة المولود ، و ختان الصبي ، وقدوم الغائب ، و شفاء المريض ، و عود الحاج . . . و نحوها .

و قد ابتكر الناس أغاني و أهازيج لحنوها ، وغنوها بأنفسهم في أحوال و مناسبات مختلفة ، مثل جني الثمار أو القطن و غيرها .

و مثل : أهازيج العمال و الفعلة ، الذين يعملون في البناء? و حمل الأثقال و نحوها ، مثل :? « هيلا ، هيلا . . صل على النبي » . . و هذا له أصل شرعي من عمل الصحابة? ، و هم يبنون المسجد النبوي و يحملون أحجاره على مناكبهم . و هم ينشدون :

اللهم إن العيش عيش الآخرة .. فاغفر للأنصار و المهاجرة

حتى? الأمهات ، حين يهدهدن أطفالهن ، و يهيئنهم للنوم ، يستخدمن الغناء ، و لهن كلمات مشهورة ، مثل : « يا رب ينام ، يا رب ينام . . . »? .

و لا زلت أذكر « المسحراتية » في شهر رمضان المبارك ،? و هم يوقظون الناس بعد منتصف الليل بمنظومات يلذ سماعها منغمة مع دقات طبولهم .

و من جميل ما يذكر هنا : ما اخترعه الباعة في الأسواق ،? و الباعة? المتجولون : من النداء? على سلعهم بعبارات منظومة موزونة? ، يتنافسون في التغني بها ، مثل بائع العرقسوس ، و باعة الفواكه و الخضروات ، و غيرهم .

و هكذا نجد هذا الفن – فن الغناء – يتخلل الحياة كلها ، دينية? و دنيوية ، و يتجاوب الناس معه بتلقائية و فطرية ، و لا يجدون في تعاليم دينهم ما يعوقهم عن ذك . و لم ير علماؤهم في هذه الألوان الشعبية? ما يجب أن ينكر . بل أكثر من ذلك تجدها جميعاً ممزوجة بالدين و معاني الإيمان و القيم الروحية و المثل الأخلاقية ، امتزاج الجسم بالروح : من التوحيد ، و ذكر الله ، و الدعاء? ، و الصلاة على النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) . . . و ما شابهها ( [73] ) .

و هذا الذي لاحظته في مصر ، و جدت مثله في بلاد الشام ، و في بلاد المغرب ، و غيرها من بلاد العرب .

* * *

لم شدد المتأخرون في أمر الغناء ؟

يلاحظ أن المتأخرين من أهل الفقه أكثر تشديداً? في منع الغناء? - و خصوصاً مع الآلات – من الفقهاء المتقدمين . و ذلك لأسباب :

الأخذ بالأحوط لا الأيسر :

1- إن المتقدمين كانوا أكثر أخذاً بالأيسر ، و المتأخرين أكثر أخذاً بالأحوط ، و الأحوط يعني : الأثقل و الأشد . و من تتبع الخط البياني للفقه و الفتوى منذ عهد الصحابة فمن بعدهم يجد ذلك واضحاً ، و الأمثلة عليه لا تحصر .

الاغترار بالأحاديث الضعيفة و الموضوعة :

2- إن كثيراً ك الفقهاء المتأخرين أرهبهم سيل الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، التي امتلأت بها الكتب ، و لم يكونوا من أهل تمحيص الروايات ، و تحقيق الأسانيد ، فراجت لديهم هذه الأحاديث ، و لا سيما مع شيوع القول بأن تعدد الطرق الضعيفة يقوي بعضها بعضاً? .

ضغط الواقع الغنائي :

2- ضغط الواقع الغنائي بما يلا بسه من انحراف و تجاوز ، كان له أثره في ترجيح المنع و التحريم . و هذا الواقع له صورتان أثرت كل واحدة منهما على جماعة من الفقهاء .

* * *

غناء المجون و الخلاعة :

الصورة? الأولى : صورة « الغناء الماجن » الذي غدا جزءاً لا يتجزأ من حياة الطبقة المترفة ، التي غرقت في الملذات ، و أضاعت الصلوات ، و اتبعت الشهوات ، و اختلط فيها الغناء بملابسة الفجور ، و شرب الخمور ، و قول الزور ، و تلاعب الجواري الحسان المغنيات ( القيان ) بعقول الحضور ، كما شاع ذلك في حقب معروفة في العصر العباسي .

و كان سماع الغناء يقتضي شهود هذه المجالس بما فيها من خلاعة? ومجانة و فسوق عن أمر الله .

و من المؤسف أن البيئة الفنية – كما يمونها اليوم – لا زالت مشربة بهذه الروح ، ملوثة بهذا الوباء . و هذا ما يضطر كل عائد إلى الله ، من الفنانين و الفنانات – الذين أكرمهم الله بالهداية و التوبة – أن نسحب من ذلك الوسط ، ويفر بدينه بعيداً? عنه .

* * *

غناء الصوفية :

و الصورة الثانية : صورة « الغناء الديني » الذي اتخذه الصفية وسيلة لإثارة الأشواق ، و تحريك القلوب في السير إلى الله ، مثلها يفعل الحداة مع الإبل ، فينشطونها ويستحثون خطاها ، حين تسمع نغم الحداء الموزون بصوت جميل . فتستخف الحمل الثقيل . و تستقصر الطريق الطويل ، و هم يعتبرون ذلك السماع عبادة و قربة إلى الله ، أو – على ?الأقل – عوناً على العبادة و القربة .

و هذا ما أنكره عليهم أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية ، و تلميذه الإمام ابن القيم ، اللذين شنا على الغناء هجوماً عنيفاً حاداً ، و خصوصاً ابن القيم في « إغاثة? اللهفان » الذي شحذ كل أسلحته ، و أجلب بخيله و رجله لتحريم الغناء ، واضح – على غير عادته – بغير الصحيح ، و غير الصريح ، إذ كان نصب عينيه ذاك النوع من الغناء ، و قد رأي فيه هو و شيخه أنه بقرب إلى الله بما لم يشرعه ، و إحداث أمر في الدين لم يكن على عهد النبوة ، و لا عهد الصحابة . و ربما لا بسه بعض البدع ، و لا سيما إذا وقع في المساجد . أنشد ابن القيم مشنعاً? :

تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة .. لكنه إطراق لاه ساهي !

و أتى الغناء فكالحمير تناهقوا .. و الله ما رقصوا الأجل الله !

دف و مزمار ، و نغمة شادن .. فمتى رأيت عبادة بملاهي ؟

و في بعض فتاوى? ابن تيمية ما يجيز الغناء إذا كان لرفع الحرج و الترويح .

* * *

فقه الإمام الغزالي في القضية :

و أعتقد أن مواقف الإمام الغزالي من قضية الغناء? ، و مناقشته الفقهية العميقة لحجج القائلين بتحريم السماع ، و الجواب عنها بالإجابات الشافية? ، و نصرته لأدلة المجيزين ،?و تحديده للعوارض التي تعرض للسماع المتاح ، فتنقه إلى دائرة الحرمة . . يعتبر من أعدل المواقف المعبرة عن وسطية الشريعة ، و سماحتها ، و صلاحيتها لكل البيئات و الأعصار .

و الحق أن فقه الغزالي في « الإحياء?? » - بصفة عامة – فقه تحرر من قيود المذهبية? ، فهو لم يعد شافعياً مقيداً ، بل مجتهداً طليقاً ، ينظر إلى الشريعة من أفق واسع . و قد تجلى هذا في مواضع كثيرة ، تحتاج إلى دراسة? خاصة ، تصلح لأطروحة جامعية .

العوارض التي تنقل السماع المباح إلى الحرمة :

ذكر الغزالي عوارض خمسة تجعل السماع المباح محظوراً تتحدد فيما يلي :

1- عارض في المسمع بأن يكون امرأة لا يحل النظر إليها ، و تخشى الفتنة من سماعها . و الحرمة فيه لخوف الفتنة لا لذات الغناء .

و رجح قصر التحريم على مظنة خوف الفتنة . . و أيد ذلك بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة ، إذ يعلم أنه ( صلي الله عليه و آل و سلم ) كان يسمع أصواتهما ، و لم يحترز منه . و لكن لم تكن الفتنة مخوفة عليها ، فلذلك لم يحترز . فإذن يختلف هذا بأحوال المرأة ، و أحوال الرجل في كونه شاباً و شيخاً ، و لا يبعد أن يختلف الأمر في مثل هذا بالأحوال . فإنّا نقول : للشيخ إن يقبل زوجته ، و هو صائم ، و ليس للشاب ذلك .

2- عارض في الآلة بأن تكون من شعار أهل الشرب أو المخنثين ، و هي : المامير و الأوتار و طبل الكوبة . فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة ، وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة ، كالدف ، و إن كان فيه الجلاجل ، و كالطبل ، و الشاهين ، و الضرب بالقضيب . . . و سائر الآلات .

3- عارض في نظم الصوت ، و هو الشعر ، فإن كان فيه شيء? من الخنا و الفحش و الهجو ، أو ما هو كذب على الله تعالي و على رسوله ، أو على الصحابة و غيرهم ، فسماع ذلك حرام ، بألحان و غير ألحان ، و المستمع شريك للقائل . و كذلك ما فيه و صف امرأة? بعينها ، فإنه لا يجوز و صف المرأة بين يدي الرجال . . فأما التشبيب بوصف الخدود و القد و القمة . . و سائر أوصاف النساء ، فالصحيح أنه لا يحرم نظمه و إنشاده ، باحن و بغير لحن ، و على المستمع ألا ينزله على? امرأة معينة ، فإن نزله فليننزله على من تحل له ، فإن نزله على أجنبية ، فهو العاصي بالتنزيل ، و إجالة الفكر فيه ، و من هذا و صفه ، فينبغي أن يجتنب السماع رأساً . .

4- عارض في المستمع ، و هو أن تكون الشهوة ?غالبة ?عليه ، وكان في غزة الشباب ، و كانت هذه الصفة أغلب عليه من غيرها ، فالسماع حرام عليه ، سواء غلب على قلبه حب شخص معين أم لم يغلب ، فإنه كيفما كان ، فلا يسمع و صف الصدغ و الخد ،? و الفراق و الوصال ، إلا و يحرك ذلك شهوته و ينزله على صورة معينة ، ينفخ الشيطان بها في قلبه ، فتشتعل نار الشهوة ، و تمتد بواعث الشر .

5- أن يكون الشخض من عوام الخلق ، و لم يغلب عليه حب الله تعالى ، فيكون السماع له محبوباً ، و لا غلبت عليه شهوة ، فيكون في حقه محظوراً ، و لكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذات المباحة إلا أنه اتخذه ديدنه و هجيراه ، و قصر عليه اكثر أوقاته فهذا هو السفيه الذي ترد شهادة ، فإن المواظبة علي اللهو جناية ، وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة ، فكذلك بعض المباحات بالمداومة يصير صغيرة . . . و من هذا القبيل : اللعب بالشطرنج ، فإنه مباح ، و لكن المواظبة عليه مكروهة كراهية شديدة . . وما كل مباح يباح كثيرة . بل الخبز مباح ، والاستكثار منه حرام ، كسائر المباحات ([74] ) اه .

ويلاحظ في هذه العوارض التي ذكرها الغزالي : أنه اعتبر الأوتار والمزامير من عوارض التحريم ، بناء علي أن الشرع ورد بالمنع منها .

و قد اجتهد في تعليل هذا المنع ، فأبدع وأجاد في التعليل والتفسير ، إذ قال : أن الشرع لم يمنع منها للذاتها : إذ لو كان للذة لقيس عليها كل يتلذ به الإنسان ، و لكن حرمت الخمور ، واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها ، حتي انتهي الأمر في الابتداء إلي كسر الدنان ، فحرم معها كل ما هو من شعار أهل الشرب ، و هي الأوتار والمزامير فقط ، وكان تحريمهما من فبل الاتباع ، كما حرمت الخلوة باأجنبية ، لأنها مقدمة الجماع ، وحرم النظر إلي الفخذ ،?لاتصاله بالسوأتين ، وحرم قليل الخمر ، و إن كان لا يسكر ، و ما من حرام إلا وله حريم يطيف به ، و حكم الحرمة ينسحب علا حريمه ، ليكون حمي للحرام و وقاية له ، وخطاراً مانعاً حوله .

فهي (أي الأوتار والمزامير ) محرمة تبعاً? لتحريم الخمر لثلاث علل :

إحداها : أنها تدعو إلى ?شرب الخمر ، فإن اللذات الحاصلة بها إنما تتم بالخمر . .

الثانية : أنها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر مجالس الأنس بالشرب . . . و الذكر سبب انبعاث الشوق ، و هو سبب الإقدام . .

الثالثة : الاجتماع عليها ، لما أن صادر من عادة أهل الفسق ، فيمنع من التشبه بهم ؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم . .

و بعد كلام و تحليل جيد ، قال الغزالي : و بهذا نتبين أنه ليست العلة? في تحريمها :?مجرد اللذة الطيبة ،? بل القياس تحليل الطيبات كلها ،? إلا ما في تحليله فساد . قال الله تعالى : ( قلُ مَنُ حَرَّمَ زِينةَ الّلَهِ الَتِي أَخُرَجَ لِعِبِادَهِ وَالُطَيِبَاتِ مِنُ الرِزُقِ ) ؟ ( [75] ) .

و رحم الله الإمام الغزالي ، فالحقيقة : أنه لم يرد نص صحيح الثبوت صريح الدلالة ، يمنع من هذه الأوتار و المزامير كما ظن ،? و لكنه – رضي الله عنه – أخذ الأحاديث المروية? في الموضوع قضية مسلمة ، ثم حاول تفسيرها بما ذكرناه ، ولو عرف و هن أسانيد المرويات في هذا الأمر ، ما جشم نفسه عناء هذا التعليل . و هو على كل حال تعليل مفيد لمن لا يسلم بضعف هذه الأحاديث .

* * *

تحذير من التساهل في إطلاق التحريم :

و نختم بحثنا هذا بكلمة أخيرة نوجهها إلى السادة العلماء الذين يستخفون بكلمة « حرام » و يطلقون لها العنان في فتاواهم إذا أفتوا ، و في بحوثهم إذا كتبوا ، عليهم أن يراقبوا الله في قولهم ، و يعلموا أن هذه الكلمة «حرام » كلمه خطيرة : إنها تعني عقوبة الله على الفعل ، و هذا أمر لا يعرف بالتخمين و لا بموافقة المزاج ، و لا بالأحاديث الضعيفة ، و لا بمجرد النص عليه في كتاب قديم ، إنما يعرف من نص ثابت صريح ، أو إجماع معتبر صحيح ، و إلا فدائرة العفو و الإباحة واسعة ، و لهم في السلف الصالح أسوة حسنة .

قال الإمام مالك رضي الله عنه : ما شيء أشد على من أن أسأل عن مسألة من الحلال و الحرام ؛ لأن هذا هو القطع في حكم الله ، و لقد أدركت أهل العلم و الفقه ببلدنا ، و إن أحدهم إذا سئل عن كأن الموت أشرف عليه ، و رأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام في الفتيا ، و لو و قفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا ، و إن عمر بن الخطاب و علياً و عامة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل – و هم خير القرون الدين بعث فيهم النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) – فكانوا يجمعون أصحاب النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و يسألون ، ثم حينئذ يفتون فيها ، و أهل زماننا هذا قد صار فخرهم ، فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم . . قال : و لم يكن من أمر الناس و لا من مضى من سلفنا الذين يقتدي بهم ، و معمول الإسلام عليهم ، أن يقولوا : هذا حلال و هذا حرام ، و لكن يقول : أنا أكره كذا و أرى كذا ، و أما «حلال » و « حرام » فهذا الافتراء على الله . أما سمعت قول الله تعالى : ( قلُ أَرَءَيُتم مَّا أَنُزلَ الّلَه لَكمُ مِن رِزُقِ فَجَعَلُتمُ مِنُه حَرَامَا وَحَلَالَا قلُ ءَآلله أَذِنَ لَكمُ أَمُ عَلَى الله تَفُتَرونَ (59)) ( [76] ) ؛ لأن الحلال ما حلله الله ،? و رسوله ،? و الحرام ما حرماه .

ونقل الإمام الشافعي في « الأم » عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة : « أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا : هذا حلال و هذا حرام ، إلا ما كان في كتاب الله عز و جل بيناً? بلا تفسير .

و حدثنا لبن السائب عن الربيع بن خيثم – و كان أفضل التابعين – أنه قال : إياكم أن يقول الرجل : إن الله أحل هذا أو رضيه ، فيقول الله له : لم أحل هذا و لم أرضه ! و يقول : إن الله حرم هذا ، فيقول الله : كذبت ، لم أحرمه و لم أنه عنه !

و حدثنا بعض أصابنا عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه : أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه ، قالوا : هذا مكروه ، و هذا لا بأس به ، فأما أن يقول : هذا حلال و هذا حرام ، فما أعظم هذا » .

* *

د/ يوسف القرضاوي

-----------------------


وختاماً أحبائنا نجوم سيرتا فهذا هو الرأي الذي نأخذ به ومن وافقنا فأهلاً به ومن خالفنا فله ذلك لكن أوقاتنا أثمن من أن نضيعها في جدل حول هذا الموضوع في المنتدى وليعذر بعضنا بعضاً فيما إختلفنا فيه


وجزاكم الله خيراً :)

H . I . K
05-19-2006, 03:55 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فهذا بحث مختصر في بيان حكم عزف الموسيقى وسماعها.

أولاً: هل الموسيقى من المعازف (آلات العزف التي يعزف بها)؟
لغة الشريعة الإسلامية التي جاء بها القرآن والسنة هي اللغة العربية؛ فلابد أن نرجع في بيان معنى العزف إليها؛ وعندما نرجع إلى القواميس العربية؛ فإننا نجد أن أصل العزف في اللغة العربية هو: صوت الرياح ودويها؛ ثم أطلق العرب العزف على صوت آلات الطرب؛ وسموا هذه الآلات: معازف؛ جمع معزفة، وسموا اللاعب بها والمغني: عازفاً؛ فالمعازف في اللغة العربية اسم يطلق على كل آلات الملاهي التي يعزف بها وتحدث أصواتاً مطربة، كالطبل والعود والطنبور والمزمار؛ قال الإمام الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء): " المعازف: اسم لكل آلات الملاهي التي يعزف بها، كالمزمار، والطنبور، والشبابة، والصنوج " (21/158)؛ وقال ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان): " وهي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك".


إنَّ النصوص الشرعية وردت بالنهي عن المعازف مهما كانت مسمياتها؛ وعلى هذا فتكون كل هذه الآلات وغيرها من آلات العزف، داخلة في النهي عن المعازف


وبناء على هذا؛ فيدخل في اسم (المعازف) ما يعرف اليوم بالموسيقى، فهي أصوات وألحان وأنغام مطربة، تصدر عن آلات لهو، مهما كان اسم هذه الآلات.
والحق أنَّ المعازف (آلات الطرب) كثيرة، منها ما عرف قديماً، ومنها ما عرف حديثاً، وحتى تتضح المسألة أكثر؛ يمكن حصر هذه الآلات في أربعة أنواع:
1) آلات القرع أو النقر، وهي الآلات: التي تحدث الصوت عند هزها أو قرعها أو نقرها بمطرقة أو عصا أو بحك بعضها ببعض أو غير ذلك من الآلات التي تستخدم في القرع والنقر؛ وله أشكال كثيرة، مثل: الطبل، والدف، والكوبة - التي تشبه الساعة الرملية – والأوركسترا، والماريمبا، وغيرها.

2) آلات النفخ، وهي: الآلات التي تحدث الصوت بالنفخ فيها أو في بعض أجزائها، ويكون النفخ فيها في أنبوبة أو ريشة أو غيرها، وتتوزع نغماته يتمرير الأنامل على فتحاته، ومنها ما له صمامات تتحكم في إخراج النغم منه، وله أشكال كثيرة، مثل: القانون، والقيثار.



3) الآلات الوترية، وهي الآلات التي تحدث الصوت بوجود حركة احتكاك أو تذبذب، أو تمرير ذهابا وإيابا، أو غيره؛ وينتج ذلك عن شد الأوتار بالأنامل عند العزف عليها، أو بتمرير آلة على قوس من الخيوط الجلدية أو خيوط النايلون أو غيره، وتختلف نغماته على مقدار الشد والحركة سرعة وبطئاً أو غير ذلك من الطرق التي تؤدي إلى إحداث صوت مطرب، كالعود، والرباب.

4) آلات العزف الذاتي؛ وهي التي تعزف (تحدث الأصوات المطربة والإيقاع الموسيقي) بنفسها (أوتوماتيك)؛ سواء كانت تعزف مباشرة لأول مرَّة أو بحفظها وتخزينها على الاسطوانات والأشرطة والأقراص ثم إعادة تشغيلها لغرض إحداث العزف أو سماعه.

فهذه الآلات على اختلاف أنواعها ومسمياتها تسمى في لغة العرب معازف، سواء سميت: طبل أو عود، أو ناي، أو قانون، أو كمنجة، أو سنطير، أو أبوا، أو ساكسوفون، أو جيتار، أو ترومبيت، أو ترومبون، أو يراع، أو نقرزان، أو أرغول، أو فاجوتو، أو موسيقى، أياً كانت شرقية أو غربية، كلاسيكية أو رومانسية، أو تصويرية، أو موسيقى راب، أو غير ذلك.



ثانياً: ما حكم العزف على المعازف أو الاستماع إليها؟
الحق أنَّ النصوص الشرعية وردت بالنهي عن المعازف مهما كانت مسمياتها؛ وعلى هذا فتكون كل هذه الآلات - التي سبق ذكرها - وغيرها من آلات العزف، داخلة في النهي عن المعازف؛ لأنَّها داخلة في معنى المعازف في اللغة العربية التي هي لغة الشريعة الإسلامية؛ فتكون محرمة لا يجوز استعمالها ولا الاستماع إليها؛ ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاءت النصوص الشرعية باستثنائه، وهو: الدف في حالات معينة كالعرس والعيد والجهاد.

والدف آلة تشبه الطبل إلا أنَّ بينهما فرقاً، فالطبل هو(الذي يغطى بالجلد من جهتيه أو من جهة واحدة)؛ وأما الدف فهو (الذي يصنع من إطار خشبي يغشى بالجلد من جهة واحدة، وقد يكون له جلاجل توضع في خروق في جوانبه)؛ فهذا مستثنى من النهي، بل هو مستحب في بعض الحالات، وقد اتفق الفقهاء على جواز ضرب الدف الذي ليس فيه جلاجل إذا كان لا يضرب على هيئة التطريب،من النساء والجواري في حفلات الأعراس؛ بل استحبه المالكية والإمام أحمد وبعض الشافعية في هذه الحال؛ وأما الذي فيه جلاجل ففيه خلاف بين العلماء؛ والأمر فيه أيسر ما دام دفاً؛ وكذلك ضرب الدف في المناسبات السابقة بالنسبة للرجال أجازه جمهور المالكية وأكثر أصحاب الشافعي، وهو ظاهر كلام أحمد وبعض أصحابه، ومنعه بعض المالكية وبعض الشافعية وجمهور الحنابلة، وهو الأحوط بالنسبة للعرس والعيد؛ لأن النصوص التي أخبرتنا عن ضرب الدف لم يرد فيها ذكر لضرب الرجال للدف، والدف مستثنى من التحريم فيكتفى فيه بالصورة التي استثنيت.



ثالثاً: ما هي الأدلة على تحريم المعازف التي منها الموسيقى؟
الأدلة التي جاء فيها بيان تحريم آلات العزف التي تدخل فيها الموسيقى، كثيرة جداً من القرآن الكريم والسنة النبوية، وآثار الصحابة _رضي الله عنهم_، وقد ألف العلماء فيها كتباً خاصة؛ ومن هذه الأدلة ما يلي:
أما الأدلة من القرآن الكريم، فمنها ما يلي:
1) قول الله _تعالى_: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ" (لقمان:6)، قال أهل العلم بالتفسير: ولهو الحديث عام يشمل الغناء والمزامير وكل كل باطل.
ومن أجمع ما قيل في ذلك قول العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي _رحمه الله_ في تفسيره لهذه الآية: "فدخل في هذا [يعني في لهو الحديث] كل كلام محرم، وكل لغو وباطل، وهذيان من الأقوال المرغبة في الكفر والعصيان، ومن أقوال الرادين على الحق المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، ومن غيبة ونميمة وكذب وشتم وسب، ومن غناء ومزامير شيطان، ومن الماجريات الملهية التي لا نفع فيها في دين ولا دنيا".


قالوا: وقد تضمنت هذه الآية ذم استبدال لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا، وإذا يتلى عليه القرآن ولى مدبراً كأن لم يسمعه كأن في أذنيه وقراً، والوقر هو: الثقل والصمم، وإذا علم منه شيئاً استهزأ به، فمجموع هذه الصفات لا يقع إلا من أعظم الناس كفراً، وإن وقع بعضها من مغن أو موسيقار أو من مستمع لهم من المسلمين، فله حصة ونصيب من هذا الذم العظيم.
وعن أبي أمامة _رضي الله عنه_ عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله" وهو حديث حسن: يحتج به. والقينات: جمع قينة، وهي المغنية من الإماء (النساء المستعبدات غير الحرائر).

2) قوله _تعالى_ في شأن إبليس _لعنه الله_: "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ" (الإسراء: من الآية64)؛ قال أهل العلم بالتفسير: المراد بصوته الغناء والباطل، قال ابن القيم _رحمه الله_: "فكل متكلم في غير طاعة الله، أو مصوت بيراع أو مزمار أو دف حرام أو طبل فذلك صوت الشيطان، وكل ساع إلى معصية الله على قدميه فهو من رَجِله، وكل راكب في معصيته فهو من خيالته، كذلك قال السلف".



وأما الأدلة من السنة فكثيرة جداً؛ جاء فيها تحريم آلات الطرب والمعازف، التي منها: الموسيقى كما سبق بيان ذلك؛ ومن هذه الأحاديث، ما يلي:
1) قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف..." الحديث، وهو حديث صحيح لا شك في صحته؛ فقد رواه البخاري موصولاً على شرطه، وصورته صورة التعليق المجزوم وهو فيه برقم 5590 (راجع كتاب: الاستقامة، لابن تيمية: 1/294؛ والسلسلة الصحيحة للألباني 91، وكتاب: تحريم آلات الطرب، للألباني:39 وما بعدها فقد ذكر كلام علماء الحديث المتخصصين فيه، في هذا الحديث وتصحيحهم له، ومناقشتهم لمن ظنوا أن فيه ضعفاً).
وقال ابن القيم _رحمه الله_: "هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه محتجاً به وعلقه تعليقاً مجزوماً به، فقال: باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه".
وفي هذا الحديث دليل على تحريم آلات العزف والطرب من وجهين:
أولهما: قوله _صلى الله عليه وسلم_: "يستحلون"، فإنه صريح بأن المذكورات في هذا الحديث، ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك الأقوام من أمته _صلى الله عليه وسلم_.



ثانيا: ذكر المعازف مقرونة مع محرمات أخرى معروف أنها محرمة مقطوع بحرمتها لا يشك في حرمتها أي مسلم وهي: الزنا، والخمر، ولو لم تكن محرمة لما قرنها معها (السلسلة الصحيحة للألباني 1/140-141 بتصرف)، قال شيخ الإسلام _رحمه الله_: فدلَّ هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها. (المجموع 11/535).

2) قول النبي _صلى الله عليه وسلم_: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة"؛ وهو حديث صحيح، وقال ابن تيمية: "هذا الحديث من أجود ما يحتج به على تحريم الغناء، كما في اللفظ المشهور عن جابر بن عبد الله: "صوت عند نعمة: لهو ولعب، ومزامير الشيطان" فنهى عن الصوت الذي يفعل عند النعمة، كما نهى عن الصوت الذي يفعل عند المصيبة... " (كتاب الاستقامة:1/292).
ورنة الشيطان هي: الصوت الحزين.

3) قول النبي _صلى الله عليه وسلم_: "إنَّ الله _عز وجل_ حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام". والكوبة من آلات العزف والطرب التي كانت معروفة عند العرب؛ وجاء في بعض روايات هذا الحديث أنها: الطبل.


والأحاديث في هذا كثيرة جداً.

ومن الآثار الواردة عن الصحابة _رضي الله عنهم_ في بيان تحريم ذلك: قصة نافع _رحمه الله_ مولى ابن عمر _رضي الله عنه_، قال: " سمع ابن عمر مزماراً، قال: فوضع إصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع هل تسمع شيئاً؟ قال: فقلت: لا، قال: فرفع إصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا " (صحيح أبي داود)؛ وقد ظن بعض الناس أن هذا الحديث ليس دليلاً على التحريم؛ لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يأمر ابن عمر _رضي الله عنهما_ أن يسد أذنيه، ولأن ابن عمر لم يأمر نافعاً بسد أذنيه كذلك! والجواب عن ذلك: أنه لم يكن يستمع، وإنما كان يسمع، وهناك فرق بين السامع والمستمع، قال شيخ الإسلام _رحمه الله_: (أما ما لم يقصده الإنسان من الاستماع فلا يترتب عليه نهي ولا ذم باتفاق الأئمة، ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا السماع، فالمستمع للقرآن يثاب عليه، والسامع له من غير قصد ولا إرادة لا يثاب على ذلك، إذ الأعمال بالنيات، وكذلك ما ينهى عنه من الملاهي، لو سمعه بدون قصد لم يضره ذلك" (المجموع 10 / 78). قال ابن قدامة المقدسي _رحمه الله_ صاحب الموسوعة الفقهية الضخمة (المغني): " والمستمع هو الذي يقصد السماع، ولم يوجد هذا من ابن عمر _رضي الله عنهما_، وإنما وجد منه السماع، ولأن بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ حاجة إلى معرفة انقطاع الصوت عنه؛ لأنه عدل عن الطريق، وسد أذنيه، فلم يكن ليرجع إلى الطريق، ولا يرفع إصبعيه عن أذنيه حتى ينقطع الصوت عنه، فأبيح للحاجة. (المغني 10 / 173).



وهنا أمر آخر ينبغي التنبه له، وهو الحق أنني عندما رجعت لبعض الموسوعات المعاصرة لأعرف تاريخ الموسيقى وجدت أنها بدأت مصاحبة لبعض الطقوس الدينية؛ فكانت تؤديها بعض الطوائف الدينية قديماً أثناء ممارستها لطقوسها الدينية، كجزء منها، ولعل هذا من أسباب تحريمها والله _تعالى_ أعلم، ويمكن اعتبار هذا دليلاً آخر على حرمة الموسيقى؛ فإن فيها تشبها بالكفار من هذا الجانب وهو جانب الاعتقاد، وهو أخطر أنواع التشبه إذا قصد _والعياذ بالله_.
وأما كونها تشبهاً بالفساق، فهذا واضح لاشك فيه؛ والله _تعالى_ أعلم.

وأما استثناء الضرب بالدف في الأعراس والعيد؛ فهو مباح بل قد يكون مستحب في العرس؛ وقد دلت عليه الأدلة الصحيحة، قال شيخ الإسلام _رحمه الله_: "ولكن رخص النبي _صلى الله عليه وسلم_ في أنواع من اللهو في العرس ونحوه كما رخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح، وأمَّا الرجال على عهده فلم يكن أحد على عهده يضرب بدف ولا يصفق بكف، بل ثبت عنه في الصحيح أنه قال: " التصفيق للنساء والتسبيح للرجال، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء "، ولما كان الغناء والضرب بالدف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثاً، ويسمون الرجال المغنين مخانيث، وهذا مشهور في كلامهم، ومن هذا الباب حديث عائشة _رضي الله عنها_ لما دخل عليها أبوها _رضي الله عنه_ في أيام العيد وعندها جاريتان تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، فقال أبو بكر _رضي الله عنه_: " أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ " وكان رسول الله معرضاً بوجهه عنهما مقبلاً بوجهه الكريم إلى الحائط - ولذلك قال بعض العلماء أن أبا بكر _رضي الله عنه_ ما كان ليزجر أحداً أو ينكر عليه بين يدي رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولكنه ظن أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ غير منتبه لما يحصل، والله أعلم - فقال: " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا أهل الإسلام " ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ أقر هذه التسمية ولم يبطلها، حيث إنه قال: " دعهما فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا "، فأشار ذلك أن السبب في إباحته هو كون الوقت عيداً، فيفهم من ذلك أن التحريم باق في غير العيد إلا ما استثني من عرس في أحاديث أخرى، وقد فصل ذلك الشيخ الألباني _رحمه الله_ في كتابه النفيس (تحريم آلات الطرب) ، والنبي _صلى الله عليه وسلم_ أقر الجواري في الأعياد كما في الحديث: " ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة "، وليس في حديث الجاريتين أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ استمع إلى ذلك، والأمر والنهي، والله _تعالى_ أعلم.



رابعاً: كيف نناقش الإخوة الذين يحتجون بفتوى بعض العلماء في إباحة الموسيقى؟
وأما فتوى بعض العلماء الأفاضل، المعروفين بالدعوة إلى الله _تعالى_ بإباحة الموسيقى؛ فهذا تنازع بينهم وبين غيرهم من العلماء الذين يفتون بحرمة الموسيقى، وهذا الإشكال – أعني اختلاف العلماء - يتكرر في كثير من المسائل؛ والله _سبحانه وتعالى_ العالم بكل شيء يعلم أنَّ الاختلاف في بعض الأحكام الشرعية سيكون، ولهذا بيَّن _سبحانه وتعالى_ الحل والمخرج من هذا الإشكال في قوله _سبحانه وتعالى_: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" ومعنى الرد إلى الله _تعالى_ وإلى رسوله _صلى الله عليه وسلم_هو: أن يبحث المختلفون - في شيء من المسائل - في كتاب الله _تعالى_ وفي سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ عن دليل يتضح به حكم المسألة التي اختلفوا فيها، إذا كانوا من أهل الذكر الذين يستطيعون استنباط الأحكام واستخراج حكمها من الأدلة الشرعية؛ أما الذين لا يستطيعون استنباط الأحكام واستخراجها من الأدلة، فالحل والمخرج بالنسبة لهم، هو قول الله _تعالى_: "فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" (النحل: من الآية43)؛ فيجب عليهم أن يسألوا أهل الذكر المعروفين بالعلم بما يستفتون فيه؛ لأنَّ العلم يضمن عدم الفتوى بالجهل، والتقوى لله _عز وجل_؛ لأن التقوى تضمن عدم الفتوى بالهوى، وهنا ينبغي التنبيه إلى أنَّ أهل الذكر قد يختلفون باختلاف الذكر؛ فأهل الذكر في الفقه هم الفقهاء، وأهل الذكر في الحديث هم المحدثون، وأهل الذكر في قراءة القرآن هم القراء، وفي التفسير المفسرون وهكذا؛ ومن العلماء من يجمع هذه الصفات فيكون من أهل الذكر في هذه الأمور كلها، ومنهم من يجمع بعضها؛ وكلما كان العالم أكثر دراية بهذه الأمور كان هو الأولى بأن يسأله الناس فيها؛ كما أن أهل الذكر في الطب هم الأطباء.



وأما الطريقة الإجرائية للرد إلى الكتاب والسنة؛ فهي: أن ينظر في الأدلة التي يعرضها كل فريق من المختلفين من العلماء؛ ثم يبحث عن سبب اختلافهم؛ فلا بد أن لاختلافهم سبباً، وهذا يمكن معرفته بالنظر في بيانهم لوجه الدلالة من كل دليل يستدلون به؛ وإذا عرفنا سبب اختلافهم؛ أمكننا الوصول _بإذن الله تعالى_ إلى القول الصحيح من أقوالهم؛ وحتى نصل إلى القول الصحيح في حكم الموسيقى؛ فإننا نطرح أسئلة ونجيب عليها باختصار شديد؛ فنقول:
أولاً: ما سبب اختلاف العلماء في حكم الموسيقى؟
والجواب عن ذلك – من واقع بيان أدلة المجيزين للموسيقى والمانعين منها، يتضح: أن هناك سببين رئيسيين لاختلاف العلماء في حكم الموسيقى، وهما:
السبب الأول: تضعيف ابن حزم – رحمه الله – لبعض الأحاديث التي جاء فيها النهي عن المعازف، ومنها حديث "ليستحلن أقوام منم أمتي الحر والحرير والخمر والمعازف" وتقليد بعض الفقهاء ممن أباحوا آلات الطرب - ومنها الموسيقى - لابن حزم في ذلك، وهذا من جهة العلم بمصطلح الحديث وعلم الرجال، وسببه تضعيف ابن حزم للحديث ما يلي:


ـ ظنه أن الحديث منقطع أي أن فيه راو ساقط من سند الحديث؛ وهذا غير صحيح فالحديث متصل السند والراوي الذي ظن ابن حزم أنه ساقط من السند موجود ومعروف، وكون ابن حزم _رحمه الله_ لا يعرفه، لا يعني أن هذا الراوي غير معروف عند علماء الحديث، ولا أن الحديث يصبح ضعيفاً؛ فلا يصح أن يضعف الحديث أحد لعدم معرفته بأحد رواته؛ فإن الراوي الذي لم يعرفه ابن حزم معروف عند العلماء الآخرين من أهل الحديث وغيرهم، بل هو أحد الرواة الموثوقين وأحد شيوخ الإمام البخاري _رحمه الله_ الذين يروي عنهم؛ ومن القواعد المعروفة في الجدل: أن من علم حجة على من لم يعلم؛ ولبيان هذه القاعدة من الواقع أقول: إن عدم معرفة بعض الناس لمدينة لندن – انتاريو، لا يعني أنها غير موجودة، أو أنه لا يوجد في الدنيا إلا لندن انقلند.

ـ شك راوي الحديث في اسم الصحابي الذي روى الحديث عن النبي _صلى الله عليه وسلم_؛ وهذا السبب غير صحيح، بل هو مخالف لقواعد التحديث المعروفة عند بقية العلماء؛ فالراوي الذي شك الراوي في اسمه صحابي، ويعترف ابن حزم أنه صحابي، فسواء كان هو أبو مالك الأشعري أو غيره لا يضر المهم أنه صحابي.


ثم إن هذا الحديث ليس هو الحديث الوحيد؛ بل هناك أحاديث لم يطلع عليها ابن حزم _رحمه الله_؛ لأنه كان بعيداً عن بلاد المحدثين الكبار؛ ولم تصله بعض كتبهم في ذلك الوقت؛ وهي أحاديث صحيحة أيضاً وقد سبق ذكر بعضها.

فإن الأحاديث التي وردت في ذم الغناء والمزامير قرابة مئة حديث، منها ثمانية أحاديث صحيحة؛ وسبعين حديثاً ضعيفة، وقرابة ثمانية عشر أثراً بعضها صحيح وبعضها ضعيف؛ فلا يصح أن نترك الأحاديث الثمانية الصحيحة؛ لأنه وردت أحاديث أخرى ضعيفة؛ فالأحاديث الصحيحة هي التي يحتج بها؛ فلو ثبت حديث واحد لكان يكفي، كيف وقد وردت ثمانية أحاديث - على الأقل – ثابتة وصحيحة.
وقد رد العلماء المتخصصون في علم الحديث من المتقدمين والمتأخرين على ابن حزم _رحمه الله_، وبينوا أنه غير مصيب في رأيه هذا بأدلة علمية قوية جداً.

السبب الثاني: عدم تفريق المجيزين للموسيقى بين السماع والاستماع ، وهذا داخل في أسباب الخلاف التي تعود إلى ما يعرف عند علماء الأصول بدلالات الألفاظ، والحق أن السماع شيء والاستماع شيء آخر؛ فالسماع يكون بغير قصد، أما الاستماع فيكون بقصد؛ ومثال ذلك من الواقع: عندما تذهب لبعض الأسواق لغرض التسوق لحاجاتك؛ فإنك ستجد أن هذا السوق يبث فيه بعض أنواع الموسيقى والأغاني فأنت هنا قد تسمعها بحكم أنها تبث في السوق، ولا تقصد سماعها، ولهذا لو سألك سائل عن عبارات هذه الأغنية فإنك ستقول لا أدري؟ لأنك كنت مشغولاً بالتسوق والبحث عن حاجاتك، ولم تذهب لقصد سماعها؛ فأنت هنا تسمى سامع، ولا تسمى مستمع، وقد سبق شرح هذا الكلام في الأدلة. هذه ببساطة أهم سببين للخلاف.



وقد فصل العلماء في بيانها ومناقشتها مناقشة علمية قوية في كتب كاملة؛ من أوضحها وأسهلها على سبيل المثال كتاب (تحريم آلات الطرب) للشيخ محمد ناصر الدين الألباني _رحمه الله_، وقد ذكر فيها كلام علماء الحديث المتقدمين والمتأخرين في الرد على ابن حزم _رحمه الله_.

خامساً: بعض البدائل التي يمكن استعمالها في الأنشطة الإسلامية؟
ينبغي للإخوة القائمين على بعض الأنشطة الإسلامية كالتسجيلات الإسلامية والبرامج الإذاعية الإسلامية أن يثبتوا أصالتهم بإيجاد بدائل مشروعة، ومن ذلك على سبيل المثال ما تفعله بعض التسجيلات الإسلامية من: استعمال الأصوات الطبيعية، كأصوات الطيور، وخرير المياه في الجداول والشلالات، واستعمال أصوات المدافع والقذائف إذا كان الموضوع أو النشيد له علاقة بالجهاد والرجولة وإحياء العزة في النفوس وهكذا؛ واستعمال الفواصل من هذه الأصوات ونحوها أو من بعض المقطوعات النشيدية التي لا محذور فيها.



سادساً: تنبيهات مهمة عندما نريد نقل فتوى لأحد العلماء:
ينبغي أن أنبه إلى أمور مهمة هنا - وقد أخرتها حتى لا أقطع تسلسل بيان حكم مسألة الموسيقى - وهي:
الأول: أن نتأكد من صدور الفتوى عن العالم، ولا نكتفي بمجرد نقل الناس من بعضهم عن بعض دون تأكد، ثم نتعرف فتوى العالم كاملة، ولا نأخذ بعضها ونترك البعض الآخر؛ فقد تكون الفتوى مشروطة بشروط، فيأتي شخص وينقل هذه الفتوى دون الشروط والقيود التي ذكرها العالم.

والثاني: أن يكون همنا عند نقل الفتاوى بيان الحق، وليس الهوى أو التعصب لعالم معين أو غير ذلك من الأهداف الباطلة؛ فإن من أسباب تخلف الأمة بعد عزتها، ظهور التعصب فيها للأشخاص والمذاهب والأقاليم، لا للحق.

والثالث: أن نحترم العلماء المعروفين بالصدق والإخلاص وطلب الحق؛ لأنهم إن كانوا مصيبين في فتواهم فلهم أجران: أجر على اجتهادهم في معرفة الحكم الصحيح بالطرق والقواعد المعروفة عند العلماء، وأجر ثان على بيانهم للحكم الصحيح؛ وإن كانوا مخطئين فلهم أجر واحد، على اجتهادهم في محاولة الوصول للحكم الصحيح بالطرق والقواعد المعروفة عند العلماء؛ فلا يجوز أن نسب العلماء ونتهمهم في نياتهم أو نشكك فيهم بغير علم؛ فإن هذه جريمة عظيمة، وسب العلماء والتشكيك فيهم، هي من الأمور التي يتمناها أعداء الإسلام؛ وقد قال ابن عساكر الدمشقي _رحمه الله_: لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصهم معلومة.



ومن أخطر الأمور نقل الفتوى مع عدم ذكر القيود التي يذكرها العالم في فتواه؛ لأن هذه القيود هي الفرق بين الحلال والحرام في الفتوى؛ وعدم ذكرها فيه تلبيس على الناس.

وعلى سبيل المثال فإن رأي ابن حزم وفتوى الشيخ يوسف القرضاوي في حكم الغناء، يذكرها بعض الناس ولا يذكرون القيود التي ذكرها ابن حزم أو الشيخ يوسف القرضاوي في بيانهم لرأيهم، وأنا هنا لست مقتنعاً بصحة الفتوى المبيحة للغناء؛ لكنني أريد أن أبين كيف يكون أثر نقل الفتوى أكثر خطراً إذا ذكرت من غير القيود التي وضعها المفتي في فتواه.
فابن حزم _رحمه الله_ قيد قوله بإباحة الغناء بقوله في كتابه (المحلَّى(: "من نوى باستماع الغناء عونًا على معصية الله _تعالى_ فهو فاسق، وكذلك كل شيء غير الغناء".

وبهذا القيد يتبين أن الغناء المعروف اليوم هو من الغناء المحرم حتى عند ابن حزم، فالغناء اليوم هو الفسق بعينه، الذي لو رآه ابن حزم لقال بحرمته؛ فلا يخالف فيه ابن حزم _رحمه الله_، ولا غيره ممن له معرفة بالواقع.



والشيخ يوسف القرضاوي قيد فتواه بإباحة الغناء – بعد ذكره لرأيه في الغناء الذي تبع فيه ابن حزم – بقوله (هذا نص كلامه): يقول: "ولكن لا ننسى في ختام هذه الفتوى أن نضيف إليها قيودًا لابد من مراعاتها:
(أ) فلابد أن يكون موضوع الأغنية مما يتفق وتعاليم الإسلام وآدابه.. فالأغنية التي تقول: "الدنيا سيجارة وكأس" مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يجعل الخمر رجساً من عمل الشيطان، ويلعن شارب "الكأس" وعاصرها وبائعها وحاملها وكل من أعان فيها بعمل. والأغنية التي تمجد "صاحبة العيون الجريئة" أغنية تخالف أدب الإسلام الذي ينادي كتابه: "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ" (النور: من الآية30)، "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ" (النور: من الآية31)؛ ويقول رسول الله: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وعليك الثانية" وهكذا.

(ب) ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها، فقد يكون الموضوع لا بأس به، ولا غبار عليه، ولكن طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول، وتعمد الإثارة، والقصد إلى إيقاظ الغرائز الهاجعة، وإغراء القلوب المريضة - ينقل الأغنية من دائرة الحلال إلى دائرة الحرام من مثل ما يسمعه الناس ويطلبه المستمعون والمستمعات من الأغاني التي تصرخ بـ " ياه " و" يوه " " ييه " إلخ؛ ولنذكر قول الله لنساء النبي: "فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض".



(جـ) هذا إلى أن الدين حرم الغلو والإسراف في كل شيء حتى في العبادة، فما بالك بالإسراف في اللهو وشغل الوقت به ولو كان مباحًا، أن هذا دليل على فراغ القلب والعقل من الواجبات الكبيرة والأهداف العظيمة، ودليل على إهدار حقوق أخرى كان يجب أن تأخذ حظها من وقت الإنسان المحدود، وما أصدق وأعمق ما قاله ابن المقفع: "ما رأيت إسرافًا إلا وبجانبه حق مضيع".

(د) على أن المستمع - بعد الحدود التي ذكرناها - يكون فقيه نفسه، فإذا كان الغناء أو نوع خاص منه يستثير غريزته، ويغريه بالفتنة ويسبح به في شطحات الخيال الحسي فعليه أن يتجنبه ويسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه ودينه وخلقه فيستريح ويريح.

ولا ريب أن هذه القيود قلما تتوافر جميعًا في أغاني هذا العصر بكمها وكيفها وموضوعها وطريقة أدائها والتصاقها بحياة أقوام بعيدين كل البعد عن الدين وأخلاقياته ومثله، فلا ينبغي للمسلم التنويه بهم، والمشاركة في نشر ذكرهم، وتوسيع نطاق تأثيرهم إذ به يتسع نطاق إفسادهم.


ولهذا كان الأولى بالمسلم الحريص على دينه أن يأخذ بالعزيمة لنفسه وأن يتقي الشبهات وينأى بنفسه عن هذا المجال الذي يصعب التخلص فيه من شائبة الحرام إلا ما ندر.

ومن أخذ بالرخصة فليتحر لنفسه وليتخير ما كان أبعد عن مظان الإثم ما استطاع، وإذا كان هذا في مجرد (السماع) فإن الأمر في (الاحتراف) بالغناء يكون أشد وأخوف؛ لأن الاندماج في البيئة "الفنية" كما تسمى خطر شديد على دين المسلم يندر من يخرج منه سالمًا معافى.. وهذا في الرجل، أما المرأة فالخطر منها وعليها أشد، ولذا فرض الله _تعالى_ عليها من التصون والتحفظ والاحتشام في لبسها ومشيتها وكلامها ما يباعد الرجال من فتنتها وما يباعدها من فتنة الرجال ويحميها من أذى الألسن وشره الأعين وطمع القلوب المريضة كما قال _تعالى_: "ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ" (الأحزاب: من الآية59) وقال: "فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ" (الأحزاب: من الآية32).



واحتراف المرأة المسلمة للغناء يعرضها لأن تَفتن أو تُفتن ويورطها في محرمات قلما تستطيع التغلب عليها من الخلوة بالأجنبي للتلحين أو التسجيل أو التعاقد أو غيرها، ومن الاختلاط بالرجال الأجانب عنها اختلاطًا لا تقره الشريعة، بل الاختلاط بالنساء المتبرجات " المتحررات " من المسلمات بالوراثة ومن غير المسلمات هو محرم أيضًا. والله أعلم " انتهى كلام الشيخ يوسف بن عبد الله القرضاوي بنصه.

فيجب على من اقتنع بهذه الفتوى قناعة شرعية دون اتباع لهواه ورغبته، أن يأخذ الفتوى بقيودها كما ذكرها المجيزون؛ وإلا كان متتبعاً للرخص، هدفه تحقيق هواه ورغبته _والعياذ بالله_. كيف وقد سبق ذكر الأدلة الواضحة في حرمة المعازف.
سابعاً: فتاوى للشيخ عبد العزيز بن باز _رحمه الله_ في موضوع الموسيقى:

حكم الاستماع إلى الموسيقى:
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – وهو من الذين يجمعون بين التخصص في الفقه والحديث معاً كما هو معروف - يقول _رحمه الله_: "الموسيقى وغيرها من آلات اللهو كلها شر وبلاء، ولكنها مما يزين الشيطان التلذذ به والدعوة إليه حتى يشغل النفوس عن الحق بالباطل، وحتى يلهيها عما أحب الله إلى ما كره الله وحرم؛ فالموسيقى والعود وسائر أنواع الملاهي كلها منكر ولا يجوز الاستماع إلا وقد صح عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف"، والحر هو: الفرج الحرام – يعني: الزنا - والمعازف هي: الأغاني وآلات الطرب".


وقال أيضاً: "إن تزويد الإذاعة بالأغاني والطرب وآلات الملاهي فساد وحرام بإجماع من يعتد به من أهل العلم، وإن لم يصحب الغناء آلة اللهو فهو حرام عند أكثر العلماء.
وقد علم بالأدلة المتكاثرة أن سماع الأغاني والعكوف عليها ولا سيما بآلات اللهو كالعود والموسيقى ونحوهما من أعظم مكايد الشيطان ومصائده التي صاد بها قلوب الجاهلين وصدهم بها عن سماع القرآن الكريم وحبب إليهم العكوف على الفسوق والعصيان، والغناء هو قرآن الشيطان ومزماره ورقية الزنا واللواط والجالب لأنواع الشر والفساد.
وقد حكى أبو بكر الطرطوشي وغير واحد من أهل العلم عن أئمة الإسلام ذم الغناء وآلات الملاهي والتحذير من ذلك، وحكى الحافظ العلامة أبو عمرو بن الصلاح _رحمه الله_ عن جميع العلماء تحريم الغناء المشتمل على شيء من آلات الملاهي كالعود ونحوه، وما ذاك إلا لما في الغناء وآلات الطرب من إمراض القلوب وإفساد الأخلاق والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.


ولا شك أن الغناء من اللهو الذي ذمه الله وعابه وهو مما ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، ولا سيما إذا كان من مطربين ومطربات قد اشتهروا بذلك فإن ضرره يكون أعظم وتأثيره في إفساد القلوب أشد قال الله _تعالى_: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" (لقمان:6، 7). قال الواحدي وغيره: أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء انتهى. وكان ابن مسعود _رضي الله عنه_ وهو أحد كبار الصحابة وعلمائهم يحلف بالله الذي لا إله إلا هو على أن لهو الحديث هو الغناء وقال _رضي الله عنه_: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع.
وقد ورد عن السلف من الصحابة والتابعين آثار كثيرة بذم الغناء وآلات الملاهي والتحذير من ذلك وصح عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" رواه البخاري، والحر هو: الفرج الحرام والمراد بذلك الزنا، وأما المعازف فهي: آلات الملاهي كلها كالموسيقى والطبل والعود والرباب والأوتار وغير ذلك " انتهى كلام الشيخ _رحمه الله_.



حكم استماع بعض البرامج المفيدة التي تتخللها الموسيقى:
س: ما حكم استماع بعض البرامج المفيدة كأقوال الصحف ونحوها التي تتخللها الموسيقى؟
ل -ع -م - الرياض
الجواب: لا حرج في استماعها والاستفادة منها مع قفل المذياع عند بدء الموسيقى حتى تنتهي؛ لأن الموسيقى من جملة آلات اللهو، يسر الله تركها والعافية من شرها ".

وأخيرا: فهذا خبر مهم أجلته لأهميته، وهو:
أن الأئمة الأربعة متفقون على تحريم المعازف:
فإذا كان قد أفتى بإباحة المزامير عالم أو عالمان، أو ثلاثة؛ فليعلم أن الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يرون تحريمها:
فقد سئل الإمام مالك _رحمه الله_ عن ضرب الطبل والمزمار، ينالك سماعه وتجد له لذة في طريق أو مجلس؟ قال: فليقم إذا التذ لذلك، إلا أن يكون جلس لحاجة، أو لا يقدر أن يقوم، وأما الطريق فليرجع أو يتقدم. (الجامع للقيرواني 262)، وقال _رحمه الله_: "إنما يفعله عندنا الفساق" (تفسير القرطبي 14/55).


وقال ابن عبد البر _رحمه الله_: من المكاسب المجمع على تحريمها الربا ومهور البغايا والسحت والرشا وأخذا الأجرة على النياحة والغناء وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء وعلى الزمر واللعب الباطل كله. (الكافي).
وقال الإمام الطبري _رحمه الله_: "فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه" (تفسير القرطبي 14/56).
وقال ابن قدامة _رحمه الله_: "الملاهي ثلاثة أضرب؛ محرم، وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها، والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها، فمن أدام استماعها ردت شهادته) (المغني 10/173)، وقال _رحمه الله_: "وإذا دعي إلى وليمة فيها منكر، كالخمر والزمر، فأمكنه الإنكار، حضر وأنكر؛ لأنه يجمع بين واجبين، وإن لم يمكنه لا يحضر" (الكافي 3/118).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_: "مذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام، ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أخبر أنه سيكون من أمته من يستحل الحر والحرير والخمر والمعازف، وذكر أنهم يمسخون قردة وخنازير، ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعاً" (المجموع 11/576).


وقال ابن القيم _رحمه الله_: "مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه من أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد بها الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: أن السماع فسق والتلذذ به كفر، هذا لفظهم، ورووا في ذلك حديثاً لا يصح رفعه، قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره، وقال أبو يوسف في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي: ادخل عليهم بغير إذنهم؛ لأن النهي عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض" (إغاثة اللهفان 1/425).
وقال الألباني _رحمه الله_: "اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها". (الصحيحة 1/145).
وأفتى الإمام البغوي _رحمه الله_ بتحريم بيع جميع آلات اللهو والباطل مثل الطنبور والمزمار والمعازف كلها، ثم قال: "فإذا طمست الصور، وغيرت آلات اللهو عن حالتها، فيجوز بيع جواهرها وأصولها، فضة كانت أو حديد أو خشبا أو غيرها" (شرح السنة 8/28).


هذا ملخص حكم هذه المسألة، وقد حاولت جمعه ثم اختصاره وترتيبه قدر المستطاع؛ ليكون سهل الفهم، والله _تعالى_ أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عاشقات الحرمين
11-07-2006, 11:50 PM
جزاكم الله خيرا اخي الفاضل

ولكن الموضوع يحتاج وقتا للقراءه

فإنتظرونا بعد ان نتمه

:)