big brother
05-11-2006, 10:21 PM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وبعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه وزوجاته أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الحريري:
هو أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحريري البصري، ولد[1] ونشأ ببلد قريب من البصرة، وتتلمذ على كثير من علماء البصرة، وعرف بالذكاء والفطنة والفصاحة وحسن العبارة، ورزق الشهرة وذيوع السيرة في التأليف، وله مؤلفات كثيرة منها كتاب المقامات الذي سنتناول الحديث عن البديع من خلاله إن شاء الله.
ويحكى أنه كان دميما قبيح المنظر، فجاء شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله؛ ففهم ذلك الحريري ذلك منه، فأسره في نفسه، فلما التمس الرجل أن يملي عليه قال له الحريري:
ما أنت أول سار غره قمر *** ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل*** مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني
فخجل الرجل منه وانصرف.
والحريري نسبة إلى صنعه وبيعه الحرير.
وجولتنا في (البديع) عند الحريري تدور حول مقاماته المشهورة، ومن هنا نجد أمامنا سؤالا هو: ما المقامة في اللغة العربية؟، ثم ماذا يعنيه الحريري بالمقامة؟
إذا استشرنا كتب اللغة العربية فستقول لنا: المقامات هي المجالس، وواحدتها مقامة، والحديث يجتمع له ويجلس لاستماعه يسمى مقامة ومجلسا؛ لأن المستمعين للمتحدث ما بين قائم وجالس، ولأن المتحدث يقوم ببعضه تارة ويجلس تارة أخرى، كما أن المقامة هي المجلس يقوم فيه الخطيب يحض على فعل الخير.
وهذه المقامات الحريرية عبارة عن قصص خيالية من بنات أفكاره ابتدعها وملأها بالحكايات التي نوعها وفرعها ووشاها بالملح، وزينها بدرر الفقر الجميلة، وأتى فيها بالمعنى الدقيق للفظ الرقيق، حتى أصبحت هامة على تاج الفن الأدبي في اللغة العربية في عصره، وظهرت روضة غناء تحوم في سماءها نفوس عشاق ذلك الأدب، إلا أن أيدي المطامع لا تصل إلى حماها، وكانت في البراعة في قمة الشهرة في ذلك العصر، وسارت مسير النيرين في الآفاق الأدبية، مما جعل علماء عصره يهتمون بروايتها عن الشيوخ الثقاة، ويقيدون فرائد ألفاظها عن تحقيق وتدقيق، ودارت كتابات حولها لبيان غوامضها وشرح أغراضها، أو للتحدث عنها بالإنصاف بين انفصالها واعتراضها، من ذلك تلك الرسالة التي كتبها الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد الخشاب في الاعتراض على الحريري، ثم قام ابن بري بالانتصار له.
كما اهتم العلماء إلى جانب ذلك بشرح الأمثال الواردة فيها ونسبتها إلى القائلين وغير ذلك؛ لأنها اشتملت على كثير من بلاغات العرب ولغاتها وأمثالها وأسرار كلامها، ومن عرفها معرفة تامة، وقف على فضل الرجل في اللغة العربية وسعة اطلاعه، وغزارة مادته.
هذا ولم يكن الحريري أول من طرق هذا الباب؛ فقد سبقه إليه بديع الزمان الهمداني[2]، الذي ألف أربعمائة مقامة، وكانت لطيفة الأغراض والمقاصد، إلا أن بين هذه المقامات ما لا تبلغ عشرة أسطر[3].
فجاءت مقامات الحريري أحفل وأغزر، فلتقدمه فضله الحريري على نفسه[4]، وأشاد في عمله في أدب جم وتواضع بالغ، مع علمه بفضل مقاماته على مقامات البديع، لكنه تقدير اللاحق للسابق، ومما يدل على فضل مقامات الحريري أنها مذ ظهرت لم تستعمل مقامات البديع، لهذا إذا دققت النظر تجد أن الحريري لم يتجاهل فضل الله عليه، فقد حصر فضل مقامات البديع على التقدم في الزمن حتى لا يبعد عن الحقيقة، وهذا مذهب مستحسن حيث لم ير لنفسه فضلا على غيره، بل جعل عمله مثل جري الفرس الأعرج الذي لا يستطيع إذا اجتهد أن يلحق مشي الصحيح.
والجانب الذي سندرسه للحريري هو الجانب البديعي بالمعنى الاصطلاحي المتأخر تقريبا، لا بالمعنى الواسع المتعارف لدى المتقدمين الأوائل، لهذا يبدو أنه من المناسب أن نتناول معنى كلمة البديع وإن كان معناها معلوما عند أكثر قراء العربية.
البديع:
إذا رجعنا إلى الجانب اللغوي لهذه الكلمة فإننا سنجد أنها تدور حول الجديد والمخترع الحديث، فبدع الشيء يبدعه بدعا: أنشأه وبدأه، وبدع الرَّكية: استنبطها وأحدثها، والبديع: المحدث العجيب، وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال سابق، قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما، فهو سبحانه وتعالى الخالق المبدع لا على مثال سابق.
أما معناه في مصطلح علماء البديع أو البلاغة، فقد عرفه الخطيب القزويني بقوله: "هو علم يعرف به تحسين وجوه الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة".
ومن هنا نتبين أن المناسبة ظاهرة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ لأن من شأن الجديد والمخترع الحديث أن يكون فيه حسن وطرافة وروعة وإمتاع، وهذا مما سوغ التسمية وقرب الصلة بين المعنيين، إلا أنه قد تفرع من القول بأن هذه الألوان محسنات، تفرع من ذلك القول أنها ليست من مقومات البلاغة ولا الفصاحة، فالحسن الذي تحدثه في الكلام عرضي لا ذاتي.
هذا هو قول المتأخرين الذين فصلوا البديع عن علمي البلاغة: المعاني والبيان، إلا أن من رجال العصر الحاضر من له رأي غير هذا حول هذه الأصباغ البديعية، إذا جاءت فطرية كما وجدت في الأدب العربي القديم، واتفقت اتفاقا واطردت كما هي في كلامهم حيث تأتي عفو الخاطر وفيض الفطرة السليقة، من غير تكلف وإعمال فكر، فإن كانت بهذه الصورة فهو لا يرى أنها عرضية تابعة للبلاغة، أو أنها لا تأثير لها في فن القول: لأن الذين أخرجوا البديع من البلاغة اعتمدوا على التقسيمات البحتة، ونظروا إلى ما جاء منها مخالفا للفطرة والسليقة، بل جاء بعد تفكر وتدبر وإعمال فكر وروية، فهو يرجع بفن القول إلى أصله وميدانه، وينظر إليه من زاوية التذوق والتأثير النفسي في المخاطب وبناء المعنى وعمقه، فهي من هذا الجانب من مقومات البلاغة.
فمن أراد الوقوف على هذا يمكنه أن يرجع إلى كتاب الصبغ الأدبي في اللغة العربية للدكتور أحمد إبراهيم موسى؛ حيث قدم فيه دراسة متكاملة للبديع، وخاصة في القسم الأخير من هذا الكتاب.
فضيلة الدكتور بيلو أحمد أبو بكر
قسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية
الحريري:
هو أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحريري البصري، ولد[1] ونشأ ببلد قريب من البصرة، وتتلمذ على كثير من علماء البصرة، وعرف بالذكاء والفطنة والفصاحة وحسن العبارة، ورزق الشهرة وذيوع السيرة في التأليف، وله مؤلفات كثيرة منها كتاب المقامات الذي سنتناول الحديث عن البديع من خلاله إن شاء الله.
ويحكى أنه كان دميما قبيح المنظر، فجاء شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله؛ ففهم ذلك الحريري ذلك منه، فأسره في نفسه، فلما التمس الرجل أن يملي عليه قال له الحريري:
ما أنت أول سار غره قمر *** ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل*** مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني
فخجل الرجل منه وانصرف.
والحريري نسبة إلى صنعه وبيعه الحرير.
وجولتنا في (البديع) عند الحريري تدور حول مقاماته المشهورة، ومن هنا نجد أمامنا سؤالا هو: ما المقامة في اللغة العربية؟، ثم ماذا يعنيه الحريري بالمقامة؟
إذا استشرنا كتب اللغة العربية فستقول لنا: المقامات هي المجالس، وواحدتها مقامة، والحديث يجتمع له ويجلس لاستماعه يسمى مقامة ومجلسا؛ لأن المستمعين للمتحدث ما بين قائم وجالس، ولأن المتحدث يقوم ببعضه تارة ويجلس تارة أخرى، كما أن المقامة هي المجلس يقوم فيه الخطيب يحض على فعل الخير.
وهذه المقامات الحريرية عبارة عن قصص خيالية من بنات أفكاره ابتدعها وملأها بالحكايات التي نوعها وفرعها ووشاها بالملح، وزينها بدرر الفقر الجميلة، وأتى فيها بالمعنى الدقيق للفظ الرقيق، حتى أصبحت هامة على تاج الفن الأدبي في اللغة العربية في عصره، وظهرت روضة غناء تحوم في سماءها نفوس عشاق ذلك الأدب، إلا أن أيدي المطامع لا تصل إلى حماها، وكانت في البراعة في قمة الشهرة في ذلك العصر، وسارت مسير النيرين في الآفاق الأدبية، مما جعل علماء عصره يهتمون بروايتها عن الشيوخ الثقاة، ويقيدون فرائد ألفاظها عن تحقيق وتدقيق، ودارت كتابات حولها لبيان غوامضها وشرح أغراضها، أو للتحدث عنها بالإنصاف بين انفصالها واعتراضها، من ذلك تلك الرسالة التي كتبها الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد الخشاب في الاعتراض على الحريري، ثم قام ابن بري بالانتصار له.
كما اهتم العلماء إلى جانب ذلك بشرح الأمثال الواردة فيها ونسبتها إلى القائلين وغير ذلك؛ لأنها اشتملت على كثير من بلاغات العرب ولغاتها وأمثالها وأسرار كلامها، ومن عرفها معرفة تامة، وقف على فضل الرجل في اللغة العربية وسعة اطلاعه، وغزارة مادته.
هذا ولم يكن الحريري أول من طرق هذا الباب؛ فقد سبقه إليه بديع الزمان الهمداني[2]، الذي ألف أربعمائة مقامة، وكانت لطيفة الأغراض والمقاصد، إلا أن بين هذه المقامات ما لا تبلغ عشرة أسطر[3].
فجاءت مقامات الحريري أحفل وأغزر، فلتقدمه فضله الحريري على نفسه[4]، وأشاد في عمله في أدب جم وتواضع بالغ، مع علمه بفضل مقاماته على مقامات البديع، لكنه تقدير اللاحق للسابق، ومما يدل على فضل مقامات الحريري أنها مذ ظهرت لم تستعمل مقامات البديع، لهذا إذا دققت النظر تجد أن الحريري لم يتجاهل فضل الله عليه، فقد حصر فضل مقامات البديع على التقدم في الزمن حتى لا يبعد عن الحقيقة، وهذا مذهب مستحسن حيث لم ير لنفسه فضلا على غيره، بل جعل عمله مثل جري الفرس الأعرج الذي لا يستطيع إذا اجتهد أن يلحق مشي الصحيح.
والجانب الذي سندرسه للحريري هو الجانب البديعي بالمعنى الاصطلاحي المتأخر تقريبا، لا بالمعنى الواسع المتعارف لدى المتقدمين الأوائل، لهذا يبدو أنه من المناسب أن نتناول معنى كلمة البديع وإن كان معناها معلوما عند أكثر قراء العربية.
البديع:
إذا رجعنا إلى الجانب اللغوي لهذه الكلمة فإننا سنجد أنها تدور حول الجديد والمخترع الحديث، فبدع الشيء يبدعه بدعا: أنشأه وبدأه، وبدع الرَّكية: استنبطها وأحدثها، والبديع: المحدث العجيب، وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال سابق، قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما، فهو سبحانه وتعالى الخالق المبدع لا على مثال سابق.
أما معناه في مصطلح علماء البديع أو البلاغة، فقد عرفه الخطيب القزويني بقوله: "هو علم يعرف به تحسين وجوه الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة".
ومن هنا نتبين أن المناسبة ظاهرة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ لأن من شأن الجديد والمخترع الحديث أن يكون فيه حسن وطرافة وروعة وإمتاع، وهذا مما سوغ التسمية وقرب الصلة بين المعنيين، إلا أنه قد تفرع من القول بأن هذه الألوان محسنات، تفرع من ذلك القول أنها ليست من مقومات البلاغة ولا الفصاحة، فالحسن الذي تحدثه في الكلام عرضي لا ذاتي.
هذا هو قول المتأخرين الذين فصلوا البديع عن علمي البلاغة: المعاني والبيان، إلا أن من رجال العصر الحاضر من له رأي غير هذا حول هذه الأصباغ البديعية، إذا جاءت فطرية كما وجدت في الأدب العربي القديم، واتفقت اتفاقا واطردت كما هي في كلامهم حيث تأتي عفو الخاطر وفيض الفطرة السليقة، من غير تكلف وإعمال فكر، فإن كانت بهذه الصورة فهو لا يرى أنها عرضية تابعة للبلاغة، أو أنها لا تأثير لها في فن القول: لأن الذين أخرجوا البديع من البلاغة اعتمدوا على التقسيمات البحتة، ونظروا إلى ما جاء منها مخالفا للفطرة والسليقة، بل جاء بعد تفكر وتدبر وإعمال فكر وروية، فهو يرجع بفن القول إلى أصله وميدانه، وينظر إليه من زاوية التذوق والتأثير النفسي في المخاطب وبناء المعنى وعمقه، فهي من هذا الجانب من مقومات البلاغة.
فمن أراد الوقوف على هذا يمكنه أن يرجع إلى كتاب الصبغ الأدبي في اللغة العربية للدكتور أحمد إبراهيم موسى؛ حيث قدم فيه دراسة متكاملة للبديع، وخاصة في القسم الأخير من هذا الكتاب.
فضيلة الدكتور بيلو أحمد أبو بكر
قسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية